الرابع والعشرون من فبراير (فيفري) عام واحد وسبعين، جزائر بومدين تنقلب على الجميع وتؤمم المحروقات، وتقطع كل الأيادي الطامعة في البترول والغاز (البترول أصبح للجزائريين فقط، وتبًا للجميع، هذا ما أراده بومدين، بل ما أراده الشعب). من حاسي مسعود خطب بومدين آنذاك. الشعب كان متعطشًا له ولخطاباته ببساطة الشعب يريد السياسة والحرية والدمقراطية.

لقد كان يومًا مهيبًا بحق بشهادة الكل، الجزائر المستقلة حديثًا تكافح لنيل الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، ما زالت  تقف صامدة رغم كل التربصات المحيطة بها، وتؤمم المحروقات أخيرًا، قرار له تبعاته لاحقًا طبعًا، لكن الجزائر التي أرهبت فرنسا لا يمكن أن تنهزم بسهولة هي تفوز دومًا بشكل أو بآخر.

ما شدني في ذلك اليوم العظيم للجزائر هو كلمات الرئيس الراحل هواري بومدين، ذلك الرجل الغامض في تاريخ نوفمبر وقف صارخًا وسط الحشد الشعبي الكبير آنذاك، لا تتساءل صديقي القارئ، في ذلك الوقت الشعب كان مؤمنًا بالسياسة والاقتصاد والمجتمع، إيمانه كان نابعًا من حكامه وأكثر من ذلك من ثقته بنفسه، الكل كان يحلم، فهناك مساحة شاغرة لكل شيء، والوطن يتسع للجميع، إلا لمعارضي بومدين وأعداء الشعب.

القوة نتاعنا والطاقة نتاعنا كانت تكمن في القيم لي كنا نتحلى بيها ونتمتع بيها، صحيح أن الاستقلال له عديد الفوائد لكن أيضًا أدى إلى شيء من الارتخاء ومن اختطاف بعض القيم لكنا نتحلى بيها من بينها مصلحة الشعب فوق مصلحة الأفراد.

هذا ما قاله بومدين يومئذ بكل تلك الصرامة بصوت يجعلك تسلمه كل انتباهك. كان يحصد الاحترام أينما ذهب، لقد آمن به الشعب فعلًا. كيف لا فكلامه كان من القلب إلى القلب، لكن ماذا حدت بعد ذلك وأي درب سلكته الجزائر بعده. أترانا حين دفنا بومدين صباح 27 من ديسمبر 1978 كنا ندفن رجلًا أم وطنًا؟

«الجزائر عندها مشكل رجال» نعم لقد صدقت يا بومدين وكذب الكثيرون قبلك وبعدك، مشكلتنا الواضحة بالنسبة لك والغامضة لنا هي الرجال؟ من المؤسف حقًا أن جزائر نوفمبر ما عادت قادرة على الإنجاب، أصابها العقم وأصابنا العجز. فقط السراقون وحفنة من السياسيين المنافقين بامتياز يحتلون الساحة اليوم. منافقون لماذا؟ قد يسأل البعض.

لأن أغلبهم عايشوا نوفمبر الثورة بشكل أو بآخر  وناصروا مجموعة الاثنين والعشرين، ثم خانوا القضية بعد الاستقلال، هؤلاء قاوموا تعذيب فرنسا وسجونها لكن ما قاوموا شهوة السلطة والمال. نعم بتنا نعيش ندرة في الرجال، والمبادئ أيضًا، أما بالنسبة للشعب فهو يريد السياسة والحرية فقط، ولتذهب الديمقراطية للجحيم.

ألفين وأربعة عشر موعد الانتخابات الرئاسية منافسون كثيرون وفائز واحد فقط الاختلاف أن الفائز معروف قبل مدة. مسؤول الحملة الانتخابية للرئيس ففجرها آنذاك مخاطبًا الجميع (دراهم لنساج ازوجوا بيهم)، البحبوحة مستمرة إذن وعلى الشعب أن يعيش زمانه. (نسي أن يقول فقط المقولة سارية مفعولها حتى تاريخ 04 أبريل موعد فوز الرئيس الجزائري القديم الجديد). من حمل الرئيس في الحملة الانتخابية أصبح رئيس الحكومة بعدها.

عبد المالك سلال رئيس الحكومة الجديد، خفيف الظل، اشتهر بخرجاته الغريبة، فترته لم تعرف ازدهارًا حقيقيًا بقدر ما عرفت فضائح على غرار سونطراك 1 و2، ومحاكمة القرن للابن الضال للجزائر الخليفة فقط في الجزائر يصبح للفساد والسرقة أجزاء، المال موجود والسراقون والنصابون موجودون أيضًا، الكل يسرق في بلادي حسب المستطاع.

لا تستغرب في بلادي هكذا تسير الأمور الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب، البعض لقبه بالوزير النية والآخر بمسير الناجح الذي يمتص غضب الشعب بنكاته وعفويته، فعلًا لم يكن يدري أحد أننا نسير نحو الإفلاس، وأن دولة الخمسة والخمسين عامًا فقط قد أصبحت عجوزًا، واقترب هلاكها، وما عادت تنبض لكنها ما زالت رغم عجزها تستطيع أن تسامح الكل إلا أولادها. ما ظن أحد أن عبد المالك سلال يلهي شعبًا ويأخد بناظريه بعيدًا عن صراعات السلطة والمال، والمصير المحتوم لسياسة «يفرجها ربي، والبترول أو كاين مزال ملقيناهش برك»، مصيرنا الإفلاس إن لم يكن اليوم فهو الغد بكل تأكيد.

حتى هذا الوقت الشعب يريد الحرية، أما السياسة فهي حرام.

«تقشفو فالخزينة فارغة ومعدناش باش نسلكوكم».

أويحيى رجل المهمات القذرة قبل أيام فقط يخاطب الجزائريين بعد 19 سنة من حكم المنظومة التي صلحت لكل شيء إلا لتسيير بلاد بحجم الجزائر، دولة صرفت ألف مليار دولار دون أن تعلم أين ذهبت وفيما ذهبت لكن حسب أويحيى «الشعب علابالو وين راهي»، نعم لديه كل الحق في هذا؛ الشعب يعلم لقد ذهبت لبنوك سويسرا وأمريكا وفي بطون وفلل وفنادق شرذمة من السراقين ذوي المستوى المجهري. لا تستغرب في الجزائر الكل سرق الكل. لكن مجددًا فقط بالمستطاع والمقدور.

وجهة نظر أويحيى صريحة لكنها غير مقنعة عكس الرأي الآخر فالألف مليار في نظر الطرف الآخر هي ضريبة الخروج من النفق المظلم «العشرية السوداء» والأموال ساهمت آنذاك في تحقيق السلم والأمان، حتى ذلك الوقت هذا كل ما يحتاجه الجزائري أن ينام مطمئنًا. لكن ما لم يره الشعب آنذاك أنه الوحيد الذي دفع الثمن فالإرهابيون استسلموا مقابل المال واستمرت العصبة الحاكمة في حكمها للجزائر والخاسر الوحيد كان الشعب. مجددًا أترانا دفنا بومدين أم الجزائر؟

بعد إفلاسنا في الأفكار والمعتقدات والمبادئ حان وقت إفلاسنا ماديًا. أما الشعب فقد تشبع من كل شيء «الا كرشو فهو على كرشو يخلي عرشو» ملخص القول في الجزائر اليوم لا أحد تهمه السلطة والأحزاب والممارسات السياسية التي يكفلها الدستور فالكل يريد قطعة خبز ومأوى وزوجة. لا أحد يريد السياسة فكل الأحزاب في نظره مشروع فيس جديد أو نصابون جدد باسم الدستور أو الثورة أو الدين وكل الانتخابات تؤدي لعشرية سوداء أخرى ضحيتها الشعب والوطن.

لقد انعدمت الثقة بين الشعب وحاكميه. نحن نعيش فوضى خلاقة مصغرة الكل فاسد وصالح في نفس الوقت، الكل بعيد عن الدين لكنه قريب من الله. الكل جاهل بتاريخه لكنه واع بما يجري، الكل ينتقد الكل والجميع فاسد لكنه يشتكي من الفساد في نفس الوقت. ببساطة الشعب الآن يريد أن يعيش فقط ولو بين قضبان.

طبعًا كلامي لا يشمل الكل، فكل أمة تحصل على نصيبها من الخيرين والمثقفين لكنه الفرق فقط بين الأمم في تقديرهم وإبرازهم واحتضانهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد