“مِنْ شأن مَن دأب على إصدار القوانين ألا يتعلم كيف يطيعها!”.
(هيغل)

تمهيد

لطالما تحمس آخر المثاليين الألمان هيغل (1770 ـ 1831) للحداثة ودافعَ عن مشروعها، مادحا مبجلًا؛ بل يمكن اعتبار المتن الهيغلي في معظمه، باستثناء بعض التقويمات لتحاشي الضيف غير المرغوب فيه وأعدى أعداء الحداثة ألا وهو “العدمية”، باستثناء هذه التقويمات، فإن المتن الهيلغي يؤسس لصرح الحداثة كآخر مرحلة لتطور البشرية وتحقق منجزاتها الثلاثة: العقلانية، الذاتية، والحرية. إن زمن الحداثة في نظر هيغل زمن رضا وحكمة. (الشيخ 2008: 398)

لم يخل هيغل في قبره طويلًا، حتى أتت “عاصفة هوجاء” تطيح بأنظار هيغل وتلامذته من بعده في الحداثة، أتكلم عن الناعت لنفسه بـ “ديناميت”، الفيلسوف الألماني الشاب فريدريك نيتشه (1844 ـ 1900)، لقد عصف نيتشه بجلّ أقوال الهيغليين التي تذهب بأن زمن الحداثة إنما هو زمن تحقق “الحرية” و”الذاتية” و”العقلانية” في إطار “الدولة الكاملة المنسجمة الكونية”، وبالتالي زمن تحقق “الحكمة” بما تعنيه من “تطور” و”رقي” و”تقدم” و”تحضّر”، ويُعدّ أقوم زمان في مسيرة البشرية. (الشيخ 2008: 38)

راح نيتشه يدك حصون هذا الادعاء، فتكلم عن “افتقاد الزمن الحاضر لكل قيمة أنّى كان شأنها”، إنه زمن انحطاط وتدهور لا رقي وازدهار، بل إن زمن القدامى، زمن اليونان والرومان، أعلى شأنا من هكذا الزمان الحاضر، ليس ثمة حكمة لزماننا الحاضر، فقط عبث وتخبّط، إنها ليست حداثة بل “بربرية حديثة”!

بعد الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) ومن بعدها مباشرة الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) بدا نيتشه محقًا في هجائه المستمر على المحدثين أو قل بلغته الهجومية “البرابرة المحدثين”؛ فها هي الحرب تزعزع أسس التفاؤل الليبرالي الذي ظن منذ زمن هيغل أن العالم، أو على الأقل أوروبا، يتجه سريعا نحو حالة من الاطمئنان والسلام، وأن الشوارع ستصبح مضيئة وآمنة، وأن ظلامية القرون الوسطى تتبدد من جيل إلى جيل. إن حروب القرن العشرين، والتي لم يسبق لها مثيل في التدمير والقسوة على مدار التاريخ البشري برمته، دمرت هذا الوهم، وهم التمدن والتحضر والرقي والتسامح. (فروم 1988: 43)

من داخل الحداثة ذاتها، هناك مَن بدأ في مراجعة الممارسات الغربية حول مسألة العالم والوجود بعامة، وحول مسألة السياسة بخاصة؛ ومشكلة الحداثة هي مشكلة سياسية في المقام الأول كما أكد ليو شتراوس، ولعل من أبرز هذه المراجعات النقدية، والتي تهمنا في سياقنا، تلك التي قام بها، ولا يزال يعمل عليها، المفكر الإيطالي “جورجو أغامبين” (1942) من خلال رباعيته حول “الإنسان الحرام”، والتي صدر منها جزء واحد في ترجمته العربية، وهو نص: حالة الاستثناء، عن دار مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة 2015، ترجمة: ناصر إسماعيل، والذي سنسعى نحو تقديم عرض له، ذاك النص الذي ينبش عن الصدع الذي تعانيه السياسة الغربية منذ زمن وحتى الآن.

تأتي دراسة “حالة الاستثناء” في ستة فصول مُركّزة، يعني منها هذا النص أول فصوله والمعنون بـ “حالة الاستثناء كنموذج للحكم”، ثم لاحقا نقصد في نص آخر الفصولَ المتبقية، وما اضطرنا لذلك هو مادة الدراسة الثريّة، والتي يصعب في واقع الأمر إهمال جزء منها، آملين أن يظهر هذا العرض في شكل يليق بثراء الكتاب وثقله الفني والمعرفي.

أولاً: عندما يصبح الاستثناء هو القاعدة

يستهلّ أغامبين نصه بعرض إشكالية “الاستثناء” كحالة صعبة التلمس والإدراك في الواقع المتعين؛ فمنذ أن أسّس كارل شميت (1888 ـ 1985)، فقيه القانون الدولي وأبرز منظري نظرية السيادة، منذ أن أسس شميت للتلازم الجوهري بين “حالة الاستثناء” والسيادة، من خلال تدشين صاحب السيادة والسلطة في “إقرار حالة الاستثناء” أو إعلانه للحرب، بدا القانون العام، وحتى يومنا هذا، يفتقر إلى نظرية عن “حالة الاستثناء”. (أغامبين، 2015: 41)

ويعزو أغامبين ذلك إلى أن الفقهاء ومنظري القانون يأخذون المسألة كحالة عابرة لا تشكّل مسألة قانونية أصيلة تستحق منهم الاعتبار، فضلا عن ذلك أنهم، أي أولئك الباحثين والمؤلفين لشرعية وجود أية نظرية بهذا الشأن، يؤكدون أن حالة الضرورة التي يتبعها حالة الاستثناء، لا يمكن أن تتلبس بزيّ قانوني، مبررين ذلك بالحكمة القديمة القائلة: “الضرورة ليس لها قانون”. (نفسه: ص41)

1ـ في التباس المشكلة:

تقع “حالة الاستثناء” على الحدود الفاصلة بين السياسة والقانون، ومن ثَمَّ يصعب تعريفها، كشأن الحرب الأهلية مثلا والانتفاضة والمقاومة. تقع على “حافة غامضة” في نقطة التقاطع للمسارين السياسي والقانوني، أي أن “حالة الاستثناء” هي تلك الحالة التي يسهل فيها “تبرير” أي أفعال يقوم بها صاحب السيادة، الذي يمتلك سلطة مطلقة (تكاد تكون إلهية)، حفاظًا على النظام القانوني، كأنها تعليق للقانون من أجل القانون!

بخفة ينتقل أغامبين ليبين كيف أن حالة الاستثناء أضحت من مجرد “عتبة” يبدأ عندها حالة اللا تمايز بين ما هو ديمقراطي وما هو استبدادي، إلى بينة أصيلة يتضمن فيها القانون الحي؛ وذلك من خلال عرضه للقانون الصادر عن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في 13 نوفمبر من العام 2001 المدعو بـ “”Military Order والذي جاء على إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام، والذي يجيز الاعتقال الأجانب المشتبه بتورطهم في أنشطة إرهابية لأجل غير مسمى. (نفسه: 45)

إن هذا القانون حالة نماذجية لدراسة “حالة الاستثناء”؛ ففيه يتم إلغاء أية حقوق قانونية للفرد، ويصير “الكائن” الذي قُبض عليه لا تعريف له ولا تصنيف. إن المعتقلين في هذه الحالة (كمعتقلي طالبان) لا يتمتعون حتى بمكانة أسير الحرب. إنهم ليسوا أسرى ولا متهمين، بل مجرد معتقلين بحكم الأمر الواقع فقط.

إن المعتقلين، بما هم كذلك، رهن اعتقال مطلق، ليس زمانيًّا فحسب، أي لا توجد مدة زمنية محددة لانتهاء تلك الحالة، بل حتى على مستوى الطبيعة القانونية للاعتقال، أي يصير من السهل خضوع الفرد تحت وطأة التعذيب والتصفية الجسدية، ذلك لأنهم مجردون من أية حقوق قانونية، ولا يخضعون للقانون، أو لأية رقابة قضائية. (نفسه: 46)

من هذا المنطلق، يُعرّف أغامبين الشمولية الحديثة بأنها: “عملية تأسيس حرب أهلية قانونية من خلال تطبيق “حالة الاستثناء”، بما يُتيح إمكانية التصفية الجسدية ليس فقط للخصوم السياسيين، بل لشرائح كاملة من المواطنين تعتبرهم السلطة، لسبب أو لآخر، غير قابلين للاندماج في النظام السياسي”. وفي إشارة إلى أن حالة الاستثناء حالة دائمة ومستمرة حتى في البلاد الديمقراطية، يكمل قائلًا: “منذ ذلك الحين بات الخلق الطوعي لحالة الطوارئ دائمة، حتى وإن كانت غير مُعلنة ـ ربما ـ على الصعيد الفني للمصطلح، أحد الإجراءات الضرورية الهامة التي تلجأ إليها الدول المعاصرة حتى تلك المُسمَّاة دولًا ديمقراطية”. (نفسه: 44)

2ـ في دلالة المشكلة:

يتناول أغامبين مقارنة طريفة بين الوضع القانوني لمعتقلي غوانتانامو والوضع القانوني لليهود في معسكرات الاحتجاز النازية، أوَ ليست النازية التجلّي الأعظم للسياسة الغربية، وسليلة الحداثة وفكر الأنوار؟!

لقد فقد اليهود أي هوية قانونية ممكنة، إضافة إلى فقدانهم لجنسيتهم، ومن ثَمَّ راح النازيون ينصبون لهم المحارق، وإراقة الدماء في كل مكان أنّى كان مخالفهم ويقف ضد مشروعهم الحداثي، تمامًا كحال معتقلي غوانتانامو الذين لم يلقوا من جانب أهل الحضارة الأمريكية سوى التعذيب والقمع المستباح. (نفسه: 46)

بهذا يثبت أغامبين أن “حالة الاستثناء” ليست مرادفًا لمفهومي “حالة الحصار” أو “الأحكام العرفية” واللذين يكشفان عن العلاقة التي تربطهما بحالة الحرب، إن هذا الإلحاق بهذين المصطلحين لظاهرة “حالة الاستثناء” سيكون مضللًا لفهم تلك الحالة بصورة أو بأخرى:

“فحالة الاستثناء ليست قانونًا خاصًا، كقانون الحرب، بل هي تعليق للعمل بالنظام القانوني، وعلى هذا الأساس، فهي تُعيّن عتبة أو حدود هذا النظام”. (نفسه: 47)

3ـ في نشأة المفارقة:

يرجع أغامبين إلى أن حالة الاستثناء الحديثة (هناك حالة قديمة سنعرفها فيما بعد) صنيعة التقاليد الديمقراطية وليست الاستبدادية، حيث يعود أغامبين لعصر الثورة الفرنسية ليجد أولى حالات الاستثناء الحديثة في دستور 22 فريمير للعام الثامن، والذي نص في مادته 92 على أنه: “في حالة الثورة المسلحة، أو الاضطرابات التي تهدد أمن الدولة، للقانون العمل بأحكام الدستور في الأماكن وللمدة التي يحددها هذا القانون”. (نفسه: 49)

لقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يعلق فيه العمل بالدستور، والفكرة هي بالضبط كالآتي: مدينة/ فئة من الناس تتمرد على النظام القائم، يجري فورًا إعلانها خارج نطاق الدستور، ويتم تعليق العمل به (خاصة تلك الأحكام التي تحمي الحريات الشخصية)، ومن ثمَّ تبدأ حالة الحصار على هذه المدينة/ الفئة، وتُخوّل للسلطة العسكرية والأدوات الشُرطية جميع المهام التي تُطبّق في حالة الحرب لتسري على النظام المدني.

إن هذا الإدماج الصريح للتعليق للقانون من خلال قانون صوري، وإعلان الطوارئ أو حالة الحصار، يظهر ضمن ظاهرة قانونية واحدة، هي ما أطلق عليه أغامبين “حالة الاستثناء”.

فإذا جاز وضع “حالة الاستثناء” ضمن تعريف نظري، لكانت هي تلك الحالة “السائلة” التي تذوب فيها مادة القانون، بتعليقه أو رفعه، مع استخدام الأدوات الأمنية والشُرطية غير الاعتيادية، لتنتج في النهاية واقعًا قمعيًا يبدو مشروعًا تمامًا.

4ـ في ذوبان السلطات:

من هنا يبدأ أغامبين في الإشارة إلى طبيعة حالة الاستثناء بتقديم نفسها كنموذج للحكم، أي اعتبارها قاعدة وليست تدبيرًا استثنائيًا، فاعتمد أغامبين على تحليلات تينغستين المتعلقة بتوسع صلاحيات السلطة التنفيذية في النظام التشريعي من خلال إصدارها للمراسيم والتدابير استنادًا منها إلى تفويض قوانين ما يُسمى بـ “السلطات الكاملة” لها بذلك. (نفسه: 49)

ما يرغب أغامبين هنا في قوله، أن الحكومة، وهي السلطة التنفيذية، صارت هي المُشرّعِة والمُصدِرَة للقوانين، تلك مهمة اختصاص البرلمان، غدت، بفضل طبيعة الاستثناء، تحت قبضة يد الحكومة، وبالتالي “بات التناقض المطرد للسلطات التشريعية للبرلمان إجراءً مألوفًا، حيث صار دور البرلمان اليوم مُنحصرًا في التصديق على التدابير الصادرة من الحكومة عبر مراسيم لها قوة القانون”. (نفسه: 52)

يقول أغامبين:
“في هذا الموضع، فإن إحدى السمات الأساسية لحالة الاستثناء، التي تتعلق بالإلغاء المؤقت للتمييز بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تكشف عن نزوعها للتحوّل إلى أسلوب دائمٍ للحكم”. (نفسه: 53). أي لم تعد بعد الآن “حالة الاستثناء” مجرد عتبة أو إجراء طارئ، بل هي ترغب في أن تغدو هي القاعدة والنموذج الأمثل للحكم، من خلال الذوبان الفاحش للسلطات المختلفة.

يعود أغامبين مرة أخرى فيقول صراحةً: “هذا يعني أننا نشهد غياب المبدأ الديمقراطي القائل بالفصل بين السلطات، وأن السلطة التنفيذية في الواقع قد ابتلعت السلطة التشريعية، أو جزءًا منها على الأقل”. (نفسه: 69). لقد تبدد إذن وهم الفصل بين السلطات في الدولة الحديثة في ظل القانون الوضعي القائم، بفضل الصدع الكبير الذي يحتويه النظام القانوني بين موضع القاعدة وتطبيقها، والتي تأتي حالة الاستثناء لتسدّ هذا الصدع بخلق حيّز يُعلّق فيه تطبيق القانون مع بقائه ساريًا على حاله، ولا نعرف في الأخير أيّ السُلطات تشرّع القوانين وأي السلطات تنفذها، السلطات بذلك ذائبة تمامًا في مادة سريعة الذوبان.

5ـ في مسرح التاريخ:

بعد أن بيّن أغامبين طبيعة حالة الاستثناء عبر الأطروحات التي نظرّت لها، كشميت وتينغستين، وحول آلية عملها كحالة لا ترادف الطوارئ ولا الحصار بل يمكن اعتبارها “حيلة ماكرة” للتلاعب بالقانون وهو حاصل في بلاد يُقال بأنها ديمقراطية قبل البلاد الاستبدادية، بعد تبيين هذا، راح أغامبين يبحث في التاريخ الحديث عن بزوغ حالة الاستثناء، وتقديمها كنموذج للحكم، وسمة أساسية للدولة الحديثة.

في البدء، يفحص أغامبين في التراث القانوني للدول الغربية ووضع حالة الاستثناء فيها، ليؤكد وجود صنفين للأنظمة القانونية توجد بداخلها حالة الاستثناء بشكل مختلف؛ فثمّة أنظمة قانونية تُنظّم حالة الاستثناء في نص الدستور أو بنص قانوني، أي تُشرعنها وتضع عليها صبغة قانونية، وأنظمة أخرى تفُضّل عدم تنظيم المسألة صراحةً، أي هي تكون موجودة لكن من دون إعلانها في نص صريح ومُباح. (نفسه: 52)

يُصنّف أغامبين كلًا من فرنسا وألمانيا في المجموعة الأولى، المجموعة الصريحة، بينما يُصنّف كلًا من إيطاليا وسويسرا وإنجلترا والولايات المتحدة إلى المجموعة الثانية، المجموعة الماكرة، ويمكن صكّها كذلك في اسم أكثر دلالة فيُقال عنهم “خبثاء القانون والسياسة” في آن.

ولما كانت بداية تدشين حالة الاستثناء الحديثة مع فرنسا كما هو مذكور آنفًا، فقد بدأ أغامبين بعرض تاريخها القانوني، إبّان الثورة وحتى يومنا هذا، مرورًا بتزامن الحرب العالمية الأولى والثانية، وقد وصلت حالة الاستثناء أخيرًا أثناء الأزمة الجزائرية إلى مرحلتها القصوى، فقد تم تطبيق المادة 16 من الدستور الحالي في فرنسا والتي تتضمن في داخلها حالة الاستثناء، وقد كانت هذه هي المرة الأخيرة التي يتم فيها تطبيق حالة الاستثناء، إلا أنه، “تماشيًا مع اتجاه سائد في كافة الديمقراطيات الغربية، عُمّم وبشكل متصاعد وغير مسبوق اللجوء إلى النموذج الأمني كأسلوب اعتيادي للحكم بدلًا من إعلان حالة الاستثناء”، وكأنه لم يعد من الضروري اليوم تعليق القانون أو التلاعب فيه، فقط وبشكل مباشر يمارس القمع والعنف الصادر من الدولة. (نفسه: 62، 63)

ثم ينتقل أغامبين إلى ألمانيا ثم إلى إيطاليا ومن بعدهما إلى إنجلترا وأمريكا، وفي كل منها تأتي حالة الاستثناء كجزء لا يتجزأ من تاريخها القانوني، لكن من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن حالة الاستثناء، أو طبقًا لمصطلحات كارل شميت النزاع على القرار السيادي، صار حادثًا جليًّا في السياسة الأمريكية، تلك البلد التي يحسبها الناس مهد الديمقراطية ورعيتها. (نفسه: 72)

فثمة نزوع عام لدى رؤساء الولايات المتحدة لخرق الدستور وانتزاع سلطات كاملة. فمنذ القرن التاسع عشر واندلاع الحرب الأهلية، قرر حينها الرئيس إبراهام لنكولن امتلاك التصرف بشكل يُسوّغ له خرق الدستور في حالة الضرورة، حتى اعتبره شميت مثالًا نموذجيًا على الديكتاتورية المفوّضة، وبالرغم من انتهاك صلاحيات الكونغرس الدستورية عالمًا بذلك، إلا أنه لم يملك سوى التصديق على قرارات الرئيس. (نفسه: 73)

وبعد الرئيس “و. ويلسون” في الحرب العالمية الأولى، ومن ورائها الحرب العالمية الثانية مع “فرانكلين روزفلت” وحصولهما على سلطات استثنائية في خرق صريح لمواد الدستور، يأتي التجلّي الأخير والأمثل للسياسة الأمريكية مع جورج بوش عقب أحداث 11 سبتمبر، حين أصدر قرارًا بصكّ نفسه لقب “القائد الأعلى للقوات المسلحة “Commander in chief of the army، إن هذا القرار يعتبره أغامبين تحولًا كبيرًا في تاريخ الاستثناء، إن بوش بهذا القرار “يخلق وضعًا تتحوّل فيه الحالة الطارئة إلى قاعدة دائمة، ويغدو التمييز بين السلم والحرب (وبين الحرب الخارجية والحرب الأهلية العالمية) أمرًا مستحيلًا”. (نفسه: 76، 77).

هكذا هي إذن “حالة الاستثناء”، حالة يصعب التمييز فيها بين حالات السلام وحالات الحرب، بين الطارئ والدائم، بين الاستثناء والقاعدة، بين الضرورة والحكمة، إنها ليست شرعنة لأمر غير قانوني، بل تُقدّم نفسها كـ”ضرورة” وجب خوضها ضد الخصوم السياسيين، لا أحد يعلم متى تنتهي ومتى بدأت، إن الجميع يكون ضمنها عاريًا تمامًا، عاريًا أمام آلة السُلطة القمعية ومُجرّدًا من أية هوية قانونية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ, فلسفة, كتب

المصادر

ـ الشيخ، محمد، 2008، فكر الحداثة في فكر هيغل، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
ـ الشيخ، محمد، 2008، نقد الحداثة في فكر نيتشه، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
ـ فروم، إريك، 1988، أزمة التحليل النفسي، ت: طلال عتريسي، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.
ـ أغامبين، جورجو، 2015، حالة الاستثناء، ت: ناصر إسماعيل، القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر.
عرض التعليقات
تحميل المزيد