كانت الدول فيما سبق دول مشخصنة تقبع كامل السلطة فيها في يد شخص واحد الذي يملك ويتحكم في زمام الأمور دون رقيب أو محاسب له، دولة فيها الحكم المطلق والسلطات المطلقة يحظى فيها الملك والإمبراطور بحق منح الحياة والأمر، الموت تجاه رعاياه هو الأمر الناهي، استمر الوضع على ما هو عليه حتى ظهرت الدولة بمفهومها الحديث، دولة تكون فيها السلطة موزعة على مؤسسات، وهي مؤسسات تشريعية، مؤسسات تنفيذية، ومؤسسات قضائية، لا على أشخاص، وتقوم الدولة الحديثة على إحلال العلاقات القانونية محل العلاقات الوجدانية والقرابية (العائلية)، والعرقية، والمهنية، والمالية، والأخلاقية، والدينية، وغيرها، فسلطة القانون هنا هي السلطة الأساسية الأعلى التي تستمد منها كل الهيئات، والقطاعات، والممارسات، والتيارات، مرجعيتها الرسمية.

وكان في الدولة التقليدية الأفراد لا يتمتعون بقدر متساوٍ من الحرية والدرجات؛ إذ إن طبقة الأشراف أو النبلاء، كانت أعلى وأسمى درجة من طبقة العبيد الذين لا يتمتعون بأي حق ولا أي حرية، عكس دولة القانون التي عملت على تكريس مبادئ الحرية والعمل بها، والمساواة بين الناس في التمتع بحقوقهم، والالتزام بواجباتهم، وعملت هذه الدولة الحديثة التي يحكمها سلطان القانون على توفير عدة مبادئ تقوم عليها هذه الدول ذات الطابع الحديث.

ومن أهم هذه المبادئ نذكر:

الدستور:

هو الضمانة الأساسية لقيام دولة القانون؛ فهو الذي يبين نظام الحكم في الدولة، وتشكيلة السلطات العامة، وتوزيع الاختصاصات بينها وكيفية ممارستها كما يبين حقوق الأفراد والوسائل اللازمة لضمانها وصيانتها؛ فالدستور يشكل قيدًا قانونيًّا لسلطات الدولة؛ إذ يبين حدود كل سلطة واختصاصها، بحيث لا تستطيع تجاوزها، وإلا تكون قد خالفت أحكام الدستور، وفقدت السند الشرعي لتصرفها.

وإن أفضل طريقة لسن دستور يكون عن طريق اختيار لجنة تأسيسية منتخبة من الشعب، تصيغ دستورًا يعرض للاستفتاء الشعبي؛ حتى يكون هذ الدستور من طرف الشعب على اختلاف اعتقداتهم، وللأسف نرى عكس هذا في دولنا العربية التي تكفل الغالبية السياسية بإنشائه وهذا خرق لدولة القانون التي نحلم بها.

الفصل بين السلطات:

ولعل بدايات هذا المبدأ كان مع الفيلسوف مونتيسكيو الذي كان يبحث عن الفصل التام بين السلطات التي كرسها الدستور، وهي التشريعية التي تقوم تسن القوانين والتشريعات، والسلطة القضائية التي مهمتها تطبيق القانون، والسلطة التنفيذية.
والفصل بينها قد يكون فصلًا تامًّا، الذي الذي يُحقّق فكرة الاستقلاليّة بين السلطات، كفصل الحكومة عن البرلمان، قد يكون الفصل مرنًا، وهو الفصل الذي يساهم في توزيع الأدوار بين السلطات الرئيسية، مع المحافظة على إمكانية تطبيق التعاون بينهما.

الفصل الذي نكاد نراه منعدمًا في دولنا العربية التي تكون فيها السلطات محتكرة في يد شخص واحد وهو الرئيس، الشخص الآمر الناهي الذي يحتكر كل السلطات تحت رحمته.

ضمان الحقوق والحريات الفردية:

إن الهدف الرئيسي والنبيل من إرساء قواعد دولة القانون هو الحفاظ على الحريات العامة للأفراد، التي هي أهم مطلب تكرسه هذه الدول مهما تعددت وتنوعت هذه الحقوق والحريات، وأن أي انتهاك لهذه الحقوق والحريات هو خرق لمبائ دولة القانون، وأن التجاوزات التي نراها في بعض الدول العربية اليوم لا تربطنا بأي صلة بدولة القانون سوى بعض القوانين التي تبقى حبرًا على ورق من انتهاك لحقوق الإنسان من انتهاك لحرية ممارسة المهن مثل التضييق على حرية الصحافة كأبرز مثال، كالحرمان من الحق في التظاهر وتبقى هناك عدة أمثلة لا تعد ولا تحصى.

إن سيادة القانون وخضوع الدولة له يفرض عليها عدة التزامات واجب تنفيذها؛ لأن الخضوع للقانون وتكريس دولة القانون لا يكون حبرًا على ورق، وإنما تحقيقه على أرض الواقع واجب، لأن الواقع المعاش اليوم في نصف الدول العربية، إن لم نقل كلها، يخرق بعض أو جل مبادئ دولة القانون سواء ما ذكرنا منها أو ما لم نذكره، وإن تكريس العدالة واحترام حقوق الأفراد وحرياتهم واجب لا بد  منه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد