القانون لا يحمي المغفلين! جملة تراثية سمعناها كثيرًا لكن يجب أن نطورها كي تواكب الأحداث لتصبح القانون يحمي المختلسين والمجرمين والمرتشين والمتحرشين، فيكفي أن تجد رفيقًا لك يمتهن المحاماة بوجهها السافر، يعبث بكل مواد القانون، يقلبها رأسا على عقب ويطوعها كما يشاء بحثًا عن ثغرة تغير مسار القضية تمامًا ويضع الجاني محل مجني عليه!

 

فحاليًا نجد المحسوبين على القانون هم أكثر المتباهين بخرقه وأكثر المتفاخرين بأنهم فوق القانون ولا يمكن  محاسبتهم، حتى وإن ثار الرأي العام غضبا ضد أخطائهم الصارخة، فإن الجهات القانونية المسؤولة عن تطبيق أحكام القانون قليلًا ما تستجيب لغضب الشارع وتبدأ بالتحقيق – لامتصاص موجة الغضب أحيانًا ولا تبالي أحايين أخرى- وما تلبث أن تحظر النشر، ثم تحفظ التحقيقات التى يتم تجميدها لسببين أحدهما غير معلن (أن المتهم فوق القانون لا يمكن معاقبته) أما السبب المعلن هو وجود ثغرة في إجراءات إثبات التهمة أو أن المدعي لجأ لسبل غير شرعية لإثبات حقه.

 

تابعنا مؤخرًا تسريبًا للتسجيل من إحدى ضحايا التحرش والابتزاز الجنسي على يد أستاذ جامعي بكلية الإعلام، وما تركه فينا من ألم نفسي بتلك الكلمات الموجعة التي لاتزال يرن صداها في آذان كل من سمعها وصرخة الضحية التي خلعت قلوب المتعاطفين معها جميعًا

وزادت موجة الغضب من الرأي العام للضغط من أجل محاكمة الأستاذ المتحرش وعزله من منصبه (وهو موقوف عن العمل للتحقيق معه في واقعة تلقي رشاوى وابتزاز الطلاب ماليًا من أجل إنجاحهم في المادة التي يدرسها)! إلا أن تلك الطموحات قد تحطمت على صخرة القانون الذي بدلًا عن أن يحمي الضحية، فإنه حصن الجاني، ومنع عنه العقاب بدعوى عدم ثبوت التهمة عليه، بل توعد الضحية بالعقاب والسجن لأنها قامت بالتسجيل وخرق خصوصية الجاني دون إذن من النيابة.

ومع تباهي الأستاذ الجامعي بعلاقاته القوية بذوي المناصب والسلطة في بلد تتسم بالفساد، ووصفه لنفسه بأنه كله شر ولا يستطيع أحد عقابه أو المساس به – حتى مع العقاب الصوري المعلن لامتصاص غضب الجماهير، وسيتم رفعه حين تتناسى وتنشغل الجماهير بقضية أخرى – تأكد لنا استحالة توقيع العقاب عليه بدون معجزة إلهية تزيح الظلم والفساد عن مصر كلها من جذوره.

إن كانت التسجيلات التي تم تسريبها للإعلام في الحالة الأولى قد تمت بشكل غير رسمي من خلال تداولها في مواقع التواصل الإجتماعي دون أن يعلن أي أحد أنها تخصه أو أنه متحمل للمسئولية القانونية المترتبة عليها، ولم تجرؤ صاحبتها للإعلان عن نفسها خوفًا من العقاب وخوفًا من الفضيحة من أصحاب النفوس المريضة.

إلا أننا تابعنا جميعًا في وقت سابق برنامج تلفزيونيًا قدمه عبد الرحيم علي ويسمى بالصندوق الأسود، الغريب أن البرنامج بأكمله يقوم علي تسريب تسجيلات لمكالمات شخصية لمعارضي النظام للتنكيل بهم وتشويه صورهم وإلحاق الاتهامات بهم دون وجه حق ودون سند قانوني، ولم نسمع أنصار القانون يدافعون عن حقوق المتهمين ومطالبين بعقاب عبد الرحيم علي، بل تم الاحتفاء به وببرنامجه حتى النهاية، ولم يتم التحقيق معه، فلم يتوقف إلا للصدام الذي حدث بين ساويرس وطارق نور مالك قناة القاهرة والناس، بعد أن انتقد ساويرس مقدم البرنامج، ووصفه بمؤيد الإخوان؛ لأنه انتقده هو الآخر في برنامجه، فخشية من تضارب مصالح رجال الأعمال وخسارتهم للصفقات فيما بينهما تقرر وقف البرنامج بعد أن أدى دوره على أكمل وجه ورسخ فكرة التسريبات والتجسس على المكالمات كمصدر للمعلومات والمعرفة لا يتنافى مع الحقوق والحريات الشخصية المقررة بالقانون.

 

يخرج علينا المحامي الشهير أحد رموز القانون في مصر المستشار مرتضى منصور بخطاب مليء بتهم السب والقذف والتشهير بالجميع، حاملًا معه رزمة من الأوراق والملفات والوثائق، ولا أدري كيف تصل إليه، ويسرب معلومات عن كل من يعارضه أو خاصمه ويتحداه بالفضح والتنكيل به وتشويه صورتهم من خلال إشهاره (للسي دي) الذي يحمل الفضائح والأسرار، وبالرغم من عمله كمحام، إلا أنه لا يحترم قواعد مهنته التي تلزمه بالتكتم على أسرار عملائه لحمايتهم؛ إلا أننا نجده يتفاخر بإفشاء أسرار خصومه ممن لجأوا إليه من قبل، مذكرًا إياهم بأفعالهم الخاطئة، وتوسلهم إليه ليخلصهم ويعلن عن خفايا قضاياهم، وكيف أنه نجاهم من مصيرهم المحتوم بالوقوع تحت طائلة القانون، متفاخرًا بأنه محسوب على المنظومة القانونية، بالرغم من أنه أشهر رموز فسادها، وأحد أهم أسباب عدم تطبيقها بسبب تلاعبه بالقانون وإفساده فيه كما يشاء، مهددًا هذا بالسجن وذاك بالفضح، ومبشرًا ذاك بالنعيم تحت طوعه، كأنه أوتي مفاتح النعيم والجحيم متلاعبًا بمصائر الجميع!

 

إذا كنا بصدد قانون يسهل خرقه والتحايل على نصوصه واستغلال الثغرات الموجودة به لقلب القضايا رأسًا على عقب وتحويل الظالم إلى مظلوم، والضحية إلى مجرم يستحق العقاب، يفلت كل ذي سلطة من العقاب، فعن أي قانون نتحدث، وأية دولة حديثة نطمح، وأين سيادة الدستور والقانون التي تتميز بها الدول الراسخة!

ففي ظل تواطؤ القانون مع الجاني وظلمه للمجني عليه، فبدون تعديل  للقانون وعدالة ناجزة تنصف المظلوم وتسهل توفير الحماية له سيأتي يوم ما ينقلب فيه المظلوم ليصبح ظالمًا يسعى للاقتصاص بيده واسترداد حقه بنفسه والإنتقام ممن ظلمه، ونعود تدريجيًا بخطوات سريعة للوراء نحو الغوغائية وتطبيق قانون الغابة والبقاء للأقوى، بدلًا عن تطبيق العدالة بالقانون.

من منا لا يتذكر النهاية المأساوية للغول حينما قام البطل بالقصاص للضحية وقتل الظالم وتحول إلى قاتل مثله بسبب ظلم المحكمة لها وعدم الاعتراف بالأدلة وعدم القدرة على محاسبته وعقابه، بل يتم توجيه الاتهام للضحية ليصرخ البطل بسبب فداحة الظلم باستخدام القانون واصفًا إياه بقانون ساكسونيا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد