لمن الدول إذن؟ للأغنياء أم الفقراء!

من يحتاج إلى المستشفيات العامة، ووسائل النقل المدعمة، وإلى التعليم العام، وإلى دعم بطاقات التموين لبعض السلع رديئة الجودة، ورغيف خبز قليل التكلفة، وأسطوانة غاز مسال لإشعال الفرن، وكهرباء للإنارة، وماء للحياة؟

إنهم الفقراء الذين لا استطاعة لهم لتوفير ما سبق ذكره وأكثر بسعر التكلفة العادية.

إنهم أبناء الوطن الذين ضحوا بأغلى ما يملكون لحماية هذا الوطن بالنفس والابن.

إنهم عامة الشعب الذين حرموا خيرات هذا البلد كنتيجة لا استعمار كافر ولحروب غابرة؟

إنهم العمال والفلاحون والموظفون وأبناء الصحراء وأهالي النوبة وبدو رحل في وطن شاسع.

مع بزوغ فجر الألفية الثالثة، ومصر تعيش أزمات لا انقطاع لها. أزمة تلو الأخرى هنا في انقطاع الكهرباء، وهناك في جفاف الماء، وبعيد في نقص الإمدادات الإستراتيجية ومتطلبات الحياة، وفي الشتاء يسطع بوضح الشمس نقص الغاز المسال، ونظام مبارك لم يكن يعالج الأمور بنصبها الصحيح، بل كان يتعامل مع الوقت -أزمة وسرعان ما تنقضي- والآلة الإعلامية كانت وسيلتها التخفيف عن المواطن، وجعله قادرًا على تحمل عبء وأزمات أكثر وأكبر، وبإمكاننا القول إن عجلة الإنتاج في مصر لم تكن تعطلت، بل كانت تعمل بقوه الدفع الذاتي والأكلان يتمدد في كيانها، والمرض يتغلل في أعماقها حتى قامت ثورة الخامس والعشرين من يناير.

اعتقد البعض أن قيام الثورة سيقلب الحال رأسًا على عقب بين ليلة وضحاها، وأن التركة الضخمة التي تركتها الأنظمة السابقة ستتحول إلى جنات عدن دون عمل، فكثرت المطالب الفئوية والإضرابات والاعتصامات، واستمر الحال في استنزاف المخزون الضعيف الذي تملكه مصر في كافة القطاعات حنى جاءت ثوره 30 من يوليو.

انتهج الرئيس سياسات اقتصادية فرضها الواقع العام على البلاد، ومع استمرار الحصار الاقتصادي الذي يحاك على مصر، وحالة الركود الذي يشهده الاقتصاد العالمي، والحروب التي تسيطر على المنطقة، انعدمت فرص الاستثمار الأجنبي، وشهد القطاع السياحي حالة من التراجع بعد الحوادث الإرهابية المتكررة.

بين عشية وضحاها وجد المصريون ارتفاع غير مسبوق في سعر الدولار؛ لنقص المعروض من العملة الخضراء نتيجة لضعف الاستثمارات، أو لرغبة الحكومة في الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي.

لا تقاوم يا أحمق! ما الذي ستمنحك إياه لحظات أخرى من العيش مع الأغرار؟ ما الذي لم تحققه في سنواتك العشرين السابقة وتنوى أن تحققه لو ظللت حيًّا؟ فرارك هذا لا يختلف عن فرار الصرصور على جدار مطبخ أو أميبا تنزلق تحت عدسة مجهر، صرخة غريزة لا أكثر، إنه تفاعل التحاشي الذي زرعته الطبيعة فيك وعليك أن تتعلم كيف تهمله كي تظفر براحة استحققتها.

هكذا يقول الدكتور أحمد خالد توفيق في مطلع روايته الشهيرة يوتوبيا موجهًا حديثه إلى مواطن يحاول الهروب من ملاحقة هليكوبتر تريد إرداءه قتيلًا.

عاشوا فترة من الزمن ضيوف غير مرغوب فيهم على أرضهم، وذاقوا ويلات الحروب مع أبنائهم، وحلموا بالتنمية والرخاء في عصر مبارك ظلوا طيلة الثلاثين عامًا يستمعون لوعود الرجل، وشيئًا فشيئًا ضاعت أحلامهم وتفشى الفساد في وطنهم؛ حتى قاموا بثورة للتخلص من استعبادهم. ليس لديهم ما سيفقدونه هذه المرة فقرض صندوق النقد الدولي لن يزيد من أعبائهم الكثير أن حصلوا عليه وكثرة مشكلهم ستضطرهم للبحث عن حلول، وإلا ذهب القرض سدى.

القرض لا يمثل إلا دفعة معنوية بجانب معونات الأخوة من الخليج للاقتصاد، والآن بعدما قامت الحكومة الحالية بإعادة بناء قواعد الدولة وإنشاء الطرق والمدن الجديدة، وإعادة الأمن والبدء في إعادة تنمية سيناء وإنشاء مجموعة من الأنفاق للربط بين شرق وغرب القناة يحلم الفقراء ببدء مشاريع جديدة تعمل على زيادة فرص العمل، وتحسين الدخول، وإعادة جزء من روح الوطن والمواطن. مشكلة المصريين الآن ليست مادية، فبإمكانهم التخلي عن الكثير، بقدر ما هي معنوية فمرارة الهزيمة التي تجرعونها كثيرة، وروح التحدي التي استمدوها بعد نصر 73، سرعان ما تحولت إلى شيء من اليأس.

على الفقراء البدء في ترشيد الاستهلاك فهم ليسوا بحاجة إلى موجة وداعم في ذلك إذا أرادوا الخروج من عنق الزجاجة، وترشيد الاستهلاك يتمثل في تحديد الأساسيات والكماليات والرفاهيات في حياتهم. كم من الأموال ينفقها المصريون في استخدام الموبايل ذلك على سبيل المثال لا الحصر.

بدا على الفقراء التعاون فيما بينهم وإنشاء مشاريع صغيرة مشتركة لتحسين الدخل، وتقليل الفاقد من الأموال، وتبني ثقافة التضحية بجزء من الرفاهيات والكماليات من أجل الأساسيات.

وليعلم فقراء هذا الوطن أنه لا جديد في الحياة، فلن تستطيع الحكومة وحدها إنجاز المستحيل وتوفير حياة رغدة لكل المواطنين بين عشية وضحاها، طالما هم أنفسهم لم يسعوا لذلك من خلال محاربة الفساد في صوره الصغرى، والوساطة، والرشوة، والتعامل بشيء من العقلانية، ونبذ العاطفة في الحياة اليومية، وإلا سيجدون أنفسهم في خلاط الغلاء الذي لن يرحم أحد فيهم.

أما دولة الفقراء التي سيطر عليها التخبط والتشوش وأنهكتها الأزمات المتتالية عليها تغير مسار الحياة اليومية في مصر، وبناء إعلام هادف، والعودة للأفكار القديمة، وإنتاج مجموع سينمائي هادف يسعى لخدمة الدولة، وخلق روح التحدي لدى المواطن.

الدولة عليها أن تحذر من تفشي نموذج البرازيل في المجتمع المصري، فالأغنياء الآن يعيشون في مجتمعات لا تفصلها أسوار ولا حدود عن الأغنياء، حتى وإن وجدت في بعض الأماكن فما زال إحساس التعايش موجود، وكبح جماح الأغنياء، وفرض الضرائب عليهم أصبح واجبًا لحمايتهم أولًا، ولحماية المجتمع من الانهيار.

مكافحة الفساد هي أولى خطوات الدول المتقدمة، وإنشاء قواعد ثابتة للعدل هي دعائم الديمقراطية في المجتمعات المتقدمة، فليس للديمقراطية وجود بدون عدل، وعودة الكفاءات لأماكنها، والاستغناء عن الكوادر الضعيفة التي أحنت ظهرها، والقرارات الخاطئة أبرز نتاجها.

دولة الفقراء عليها الاكتفاء شيئًا فشيئًا من مستلزمات الحياة الرئيسة، واختيار الأنسب فالأنسب للبدء، فمن لا يملك قوت يومه وينتظر المساعدة لا تقوم له قائمة.

المصارحة والاعتراف بالخطأ هي أولى خطوات الإصلاح، وعودة الثقة بين الوطن وأبنائه وعلى كل واجب ودور يؤديه، وينتظر المقابل من الجانب الآخر، فدور الدولة توفير المناخ المناسب للعمل وواجب المواطن العمل والبناء.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفقراء
عرض التعليقات
تحميل المزيد