هل تموت الدول والمؤسسات؟

الموت هو الحقيقة الثابتة في الحياة! هذه الحقيقة التي يتغافل عنها كل طاغية ومستبد، ويتناساها، حتى تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون!

اتفق الأولون والآخرون أن الموت هو خروج الروح من الجسد، وهو التفسير الجامع لمعنى الموت عند الغالبية الساحقة من البشر، بعيدا عن أي تفسيرات طبية معقدة تتحدث عن الموت البيولوجي والموت السريري (الإكلينيكي) وغيرها من التعريفات التي يدرسها الأطباء.

لكن هل الموت والحياة حكر على الإنسان وحده؟ أليس للمؤسسات والدول أيضًا حياة؟ بالطبع لها حياة؛ بل دورة حياة كاملة، كما قال العظيم ابن خلدون، في مقدمته الشهيرة.

وإذا انطلقنا من هذا الافتراض، سينتقل بنا الحديث إلى سؤال آخر؛ كيف تموت الدول وكيف تموت المؤسسات؟

قياسًا على حياة البشر والكائنات، والتي يعرف موتها بخروج الروح منها كما أسلفنا؛ فإن الدول والمؤسسات تموت إذا خرجت منها الروح، روحها التي أنشئت أصلا من أجلها.

وإذا افترضنا أن روح مؤسسة، كالشرطة مثلا، هو حماية أرواح الناس وممتلكاتهم – فلهذا السبب أنشأها الإنسان في الأساس – يصبح وفاة هذه المؤسسة بخروجها عن رسالتها الموكلة إليها.

الرد الفلسفي الذي نقابل به حين نطرح هذا الطرح، هو أن أي تجاوزات تمثل حالات فردية، تحدث في كل المؤسسات الشبيهة في العالم، وأن مؤسسة بلا أخطاء، كإنسان بلا أخطاء، ملائكة تمشي في الشوارع، وهذا من اليوتوبيا التي لن تحدث!

وهذا صحيح؛ وسيكون من الظلم الحكم على مؤسسة بالوفاة لمجرد وجود حالات فردية فاسدة. لكن ما المعيار إذن؟ كيف يمكننا أن نحكم على مؤسسة كالشرطة مثلا بأنها ماتت؟ أم أن التذرع بحجة “الحالات الفردية” يمنعنا إلى الأبد من الحكم على مؤسسة فاسدة بالموات؟

في اعتقادي أن معيار الحكم بموت مؤسسة هو: “أن تمارس الفساد بشكل منهجي ومستمر، ضد الغالبية الساحقة من أبناء الشعب”. وأعتقد أن هذا التعريف يتساهل كثيرًا مع أي حالات فساد فردية يمكن أن تحدث هنا أو هناك في أي مؤسسة، ويمنعنا من الحكم عليها بأنها ماتت!

 

مؤسسات ماتت في دولة العسكر:

وإذا طبقنا هذا التعريف على دولة العسكر ككل، وعلى مؤسساتها كل على حدة، سنجد أن هذه المؤسسات ماتت منذ زمن، وأن دولة العسكر إجمالا ماتت، أو على وشك!

 

مؤسسات ماتت بالكامل:

  • الشرطة:

ماتت تماما منذ زمن، ولا شك عندي في ذلك! تحول جهاز الشرطة في مصر من المحسوبية والواسطة والرشوة والمنفعة إلى الضغط على المواطن بقمعه وإرهابه وترويعه وابتزازه، بجانب قيامها ببعض واجباتها في حفظ الأمن، إلى التخلي تمامًا عن هذا الدور، والتفرغ التام لقمع المواطن، والاستفادة من السلطات الموكلة إليها في الأساس لحماية الدور الذي تخلت عنه شيئا فشيئا!

إن شعارات مستفزة مثل “ليس كل الشرطة فاسدين”، و”فيهم ناس موظفون”، ليست على أساس علمي، وتكذب العقل والمنطق، بل والدلائل التي رأيناها بأنفسنا رأي العين، وخداع للثورة والثوار في الإبقاء على مؤسسة فاسدة من ساسها إلى رأسها، لم تتردد في قتل الثوار وذبحهم في الشوارع!

يجب سحب سلاح الشرطة منهم، ومحاكمة المجرم فيهم بالقصاص، وتسريح الباقي غير مأسوف عليهم وبناء جهاز جديد!

  • الإعلام:

نفس الأمر يتعدى إلى مؤسسات الدولة الإعلامية، العامة والخاصة، التي تبيع الأكاذيب والفسق والفجور والوهم للناس! هذه المؤسسات ماتت تماما، وصار مثلها مثل الشرطة، لا خطر علينا من إعلان وفاتها وحلها بالكامل، وأن نستبدل بها مؤسسات جديدة، بروح جديدة.

بل على العكس، استمرار هذه المؤسسات خطر علينا وعلى بقية المؤسسات التي على وشك أن تموت، وتهدد بالفشل أي محاولات للتغيير أو الإصلاح!

 

مؤسسات على وشك أن تموت:

  • الجيش:

وظيفة أي جيش حماية حدود الوطن من أي تهديد خارجي، وعند بعض المفكرين فإن هناك وظيفة أخرى للجيوش وهي حماية الشرعية!

ليس من بين وظائف الجيوش صنع المعكرونة والحلل، أو الدخول في مناقصات لإقامة عقارات وإنشاءات، ورصف طرق وكبارٍ، واستيراد أجهزة طبية وهندسية… إلخ. وحين يقوم الجيش بهذه الأمور، فإنه يكون قد قام بفساد ممنهج ومستمر.

إلا أن الجيش في مصر لم يقم بهذا فحسب، بل تغيرت وجهته في 1979 بعقد اتفاق سلام مع “إسرائيل”، ثم تغيرت عقيدته بانقلاب 2013، إلى محاربة “الإرهاب”، وفتح النار على المعتصمين، والقيام بأكبر مجزرة في تاريخ مصر!

 

كيف نتعامل مع الجيش؟

لكن لا يمكننا التعامل مع الجيش كما نتعامل مع الشرطة والإعلام، فالوضع هنا مختلف!

يمكننا أن ننشئ مؤسسات بديلة عن الشرطة (بالثوار في الشارع)، وعن الإعلام (بالإعلاميين المؤيدين للثورة). لكن حل الجيش أو تفكيكه يعرض الثورة والدولة لخطر أكبر من محاولة إصلاحه.

إن الجيش بالنسبة للوطن، كالباب بالنسبة للبيت، وإذا كان هذا الباب لا يعمل بشكل سليم، وهناك خلل في (طبلته) تجعل من غير الممكن فتحه بالطرق العادية، فإن الحل يكون أن نستبدل به بابًا آخر، أكثر حداثة ومتانة، لا أن نخلع الباب من مكانه، ونترك البيت بلا باب، قبل أن يكون الباب الجديد جاهزًا!

وعليه فإن سيناريو حل الجيش كما حدث في العراق في 2003 خطأ لا يجب أن نقع فيه. الحل عندي ما فعلته إيران في الثورة في 1979، تحييد للجيش وتكليفه بحماية الحدود فقط، وإنشاء جيش جديد من الثوار في الشارع على غرار الحرس الثوري، يكون ولاؤه للثورة؟ ويمنعه الجيش من أي محاولة انقلاب جديدة!

  • القضاء:

أما بالنسبة للقضاء، فيجب التعامل مع القضاة الفاسدين الموالين للعسكر وللدولة المضادة بمنطق الورم السرطاني الذي يجب استئصاله قبل أن يمتد إلى باقي الجسد، فيتسبب في وفاته وخروج الروح منه، وأن نضع في المؤسسات القضائية والرقابية شخصياتٍ مشهودًا لها بالكفاءة والنزاهة والشرف والولاء للثورة. ومن البديهي أن يتم ذلك وفق معلومات دقيقة وليس وفق انطباعات كما حدث مع عصام شرف!

 

ختامًا:

علينا جميعا أن ندرك أن عقلانية الثورة لا تعني بالضرورة انبطاحها أو ضعفها، فالثورة الفرنسية توصف من نواح كثيرة بأنها عقلانية رغم دمويتها.

إن قوة الثورة عين العقل فيها، بل إن غير العقلاني ترك الثوار فريسة سهلة لخصومهم! يجب ألا تمنعنا عقلانية الثورة من التعامل مع خصومنا بما يستحقونه، بقوة وسرعة، دون تردد أو تخوف من الأزمات الاقتصادية، مدركين أن التساهل مع خصوم الثورة أحد أعظم أخطائنا في السابق، وأحد أكبر تهديداتنا في المستقبل!

هناك فارق أخلاقي بين ما هو شرعي وما هو قانوني، وهذه المؤسسات التي تقيم دولة العسكر فقدت شرعيتها، حتى لو قامت بتقنين أفعالها غير الشرعية، بإعلانات دستورية أو بمجلس نواب من الدمى والأراجوزات، يوافق على القوانين قبل مناقشتها!

دولة العسكر ماتت في مصر وعلينا دفنها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد