الراقصة والسياسي فيلم سينمائي يعرض لنا مقارنة بسيطة بين ما تمارسه الراقصات، وبين ما يمارسه السياسيون بشكل عام، ويسلط الضوء على أن ما يفعله الساسة يتشابه إلى حد التطابق مع ما تفعله الراقصات، فمثلما تستخدم الراقصة جسدها بحركات إغرائية لتسلية الجمهور ومنحهم شعورًا عابرًا بالنشوة، فالسياسي على الجانب الآخر في البلاد العربية وأغلب الدول النامية يعتمد على استخدام الكلام والسفسطة لقلب الحقائق، وتزوير الواقع لإيهام الجمهور بأن «كل شيء على ما يرام»، ومنحهم شعورًا واهمًا بالتفاؤل على الرغم من مرارة واقعهم.

في النهاية، كل يستخدم أدواته لإلهاء الجمهور عن واقعه المر، وقد لخصت بطلة الفيلم هذا التشابه بجملتها الشهيرة لرجل السياسة مدعي القيم «أنا برقص بوسطي وأنت بترقص بلسانك». هكذا يدخلنا هذا الفيلم للعلاقة الغريبة بين مهنتين على قدر اختلافهما متشابهتين. فالرقص هو في حقيقته «سياسة بحركات البدن»؛ بينما السياسة ليست سوى «رقص بحركات اللسان».

ورغم أن قصة الفيلم كلها تدور من خلال شخصيتين هما بطلا الفيلم «الراقصة والسياسي»؛ ولكن كأي دراما لا بد من وجود شخصيات ثانوية مساعدة تظهر بالأحداث، ومن هذه الشخصيات الهامشية «ترتر» صبي العالمة الذي يظهر لنا بإبداع كيف تكون تلك الشخصية من حيث طريقة الكلام والمشي وفقد هوية النوع. شخصية كل عملها هو خدمة الراقصة والثناء عليها، وتنفيذ أوامرها دون نقاش.

تمر السنوات وتنقلب الأوضاع، ويصبح السنيد هو البطل؛ ولكن ليس في الفيلم إنما في الحياة. فنحن هنا لسنا بصدد هذا التشابه بين الراقصة والسياسي، لقد خرجت الأمور عن السيطرة أكثر مما كان يمكن لخيال الكاتب أن يصل، فتحولت الراقصة من «غازية» مرفوضة من المجتمع إلى نجمة مجتمع وأم مثالية، وانتقل السياسي من خانة نجم المجتمع الراقي إلى «خلبوص»، وليس مماثلًا للراقصة كرجل السياسة بالفيلم؛ بل صبي الراقصة.

والخلبوص هو صبي الراقصة، كان يلبس في القرن الـثامن عشر مثل الراقصات، ويضرب على الصاجات، ويقلد حركاتها المبتذلة، وطريقة كلامها ومشيتها، وفي الغالب يحمل البخور ويردد بعض الكلمات التي تمنع عنها الحسد مثل جملة «أربعة وواحد خمسة عليكِ يا أبلتي»، ويهرج مع الجميع بشكل إباحي ومستفز.

ولكنه ككل مهنة تتطور مع الزمن، فبدأ ببدلة رقص، ثم الجلابية الضيقة، ومع الزمن والتطور واكب الموضة ولبس البدلة و(الكرافت). هكذا تحول الكومبارس إلى دور البطولة على مسرح الحياة، والآن بنظرة سريعة على المجتمع كم خلبوصًا ترى؟

أصبحت الغالبية تلعب دور الخلبوص حامل المباخر لأبلته التي يطيعها دون نقاش، فأصبح أفراد كثيرون ممن لا ناقة لهم ولا جمل في تلك الحياة خلابيص لرؤسائهم، وضباط الشرطة، والقضاة، وأعضاء البرلمان، وهؤلاء هم بدورهم خلابيص للوزراء والرئيس؛ بل صارت مؤسسات كاملة داخل الدولة تقوم بدور الخلبوص حامل المباخر، ضاربين بالصاجات وعلى رأسهم الإعلام، أكثر من أتقن دور صبي العالمة للرئيس، فهم من يمنعون عنه «عين الحسود»، أو بشكل أوضح عين الأشرار، من يتعرون ويتمايلون بشكل مستفز، لكي يجذبوا الأنظار  إلى رئيسهم.

وكعادة الخلبوص يضفي على «الأسطى» صفات الشرف والأمانة والطيبة، والأسطى وهو لقب يطلق على العالمة عندما تكبر بالسن فلا تغني أو ترقص. وها نحن يوميًّا نسمع آلاف الخلابيص الذين يتغنون بمكارم أخلاق رئيسهم ورقة مشاعره. لم يقف دور الخلبوص على هؤلاء المتملقين الفاقدين لهوية النوع، ولكن المصيبة التي ابتلينا بها كعرب أن تمتد تلك المهنة إلى أعلى المناصب، ليصبحوا خلابيص لأسيادهم بدول الغرب، يتوددون لهم باذلين كل ما هو غالٍ ونفيس من مقدرات شعوبهم؛ بل ودينهم أيضًا، في سبيل أن يظلوا حاملين للمباخر.

وكما قال علماء الحملة الفرنسية عن الخلبوص بأنه أسوأ من القواد، صار خلابيص العرب يعرضون دولهم في سوق النخاسة اليوم على روسيا عندما تغضب أمريكا، وهكذا أصبحت دولنا يومًا بعد يوم تفقد كرامتها، وأصبحت لا ترى إلا ما يراه سيدها.

 وما وصلنا له من انهيار وتفتت أوضح شاهد على عمالة الحكام، قرارات متناقضة إن دلت على شيء تدل على أن متخذها ينفذ أوامر تملى عليه.

فمن موقف مؤيد للسعودية حليفته للتدخل العسكري في اليمن، للوقوف ضدها بسوريا انحيازًا لروسيا. وبسياسة كيد النسا، وفي واقعة شهيرة معروفة باسم «جاكت بوتن» قرر السيسي انتقامًا من الإدارة الأمريكية، التي انتقدت بشدة ملف حقوق الإنسان في مصر فأوقفت جزءًا من معونتها، قرر السيسي الارتماء بأحضان روسيا «عندًا في أمريكا».

ومن المفارقات المتضادة يقف السيسي في وجه مشروع قانون في الأمم المتحدة لحصار بورما لإيقاف التطهير العرقي ضد المسلمين هناك، بحجة عدم التدخل في الشئون الداخلية لدولة، وحفاظًا على وحدتها، في نفس الوقت الذي يحاصر فيه قطر إرضاء للسعودية والإمارات لتغير الحاكم هناك، وقيامه بضربات جوية في ليبيا بالنيابة عن الإمارات لدعم حفتر وفرضه على الشعب الليبي.

ومن تأييد نظام الأسد الموالي لروسيا، نكاية في إدارة أوباما، لمعارضة نظام الأسد تأييدًا لترامب. إعلان السيسي دعمه وحدة العراق على كامل أراضيه، نجد أنه بمصر يقوم بعكس هذا بالكلية. فبيع أراضي مصر كجزيرتي «تيران وصنافير» للسعودية، وعرض أصول الدولة في البورصة العام القادم، إلى تمزيق النسيج الوطني للمجتمع المصري من معاداة أهل سيناء بترحيلهم الإجباري عن أراضيهم، وبيع أراضي أهل النوبة، واعتقال عدد منهم.

هذا غير إشعال فتيل حرب طائفية بين المسلمين والمسيحيين بإحداث تفجيرات بالكنائس، مع أن التجربة أثبتت أن أي تعدٍ على الكنائس يكون خلفه أمن الدولة، صراع طبقي بين فئات الشعب، فما قام به السيسي من الانصياع الكامل لقرارات صندوق النقد من تعويم الجنيه، وإلغاء الدعم؛ مما أدى إلى تآكل الطبقة المتوسطة، ونزول أكثر من نصف الشعب المصري تحت خط الفقر.

وهكذا انطبق تعريف السياسة عند أنيس منصور بأنها «فن السفالة الأنيق» على سياستنا؛ مع أنها الآن فقدت صفة الأناقة واحتفظت بباقي التعريف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد