يقول النبي عليه الصلاة والسلام: “إن الله لا ينزع العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا”(1)،

ويقول علي رضي الله عنه:

“الناس ثلاثة، عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق”(2).

في قول النبي عليه الصلاة والسلام وقول علي رضي الله عنه نص صريح على طبيعة النفس البشرية وكيفية إدارة التجمعات البشرية الكبرى التي تتقاطع فيها المصالح أو تتعارض، نص على احتياج الناس دائمًا وأبدًا إلى رؤوس علماء يوجهونهم ويأخذون بهم إلى الخير، فهم لا يدركونه إذا رفع عنهم غطاء التوجيه، نص على الحالة المزرية التي يصل الناس إليها إذا رفع عنهم غطاء العلم ولازمهم غطاء الجهلاء والسفهاء فهم سائرون تحت غطاء ما بقيت السماوات والأرض بلا انفكاك.

 

ثم نص بأن ليس كل الناس يحمل عناء التفكير والبحث عن الحقيقة، فمن الناس عالم رباني ومنهم متعلم يبحث عن نجاته في الدارين، وأكثرهم همج رعاع قعدت بهم همتهم أن يفكروا في صلاح أمرهم فاتبعوا كل ناعق يدعوهم إلى الخير ظاهرًا، ومالوا مع كل ريح ظنوا أنها حاملة للخير في طياتها، قد فارقهم نور العلم وركنوا إلى رؤوس جهال استظلوا بجهلهم فكان عاقبة أمرهم خسرًا.

يقول جوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير”(3): إن الجماهير ليس لديها القدرة على التفكير والاستدلال العلمي أو حتى استقصاء المعلومات، ودائمًا ما تتشكل العقلية الجمعية للجماهير عن طريق صور ذهنية معينة عن أمر معين دون استدلال، فهي تقبل الأمر مطلقـًا أو ترفضه مطلقـًا اعتمادًا على صورة ذهنية مسبقة حاكمة على الموضوع”

تتعلق الجماهير بالعلماء والقادة وتعتبرهم مصدر إلهام وتخلع عليهم لباس الطاعة والاتباع ليأخذوا بأيديهم إلى الخير، حتى إذا ما ارتكس العلماء وصاروا هم تبعًا للملوك وتخلوا عن مكانهم كحكم بين الحاكم والأمة فسيرهم الحاكم حيث يشاء واتبعوا أهواءهم ضلوا وأضلوا كثيرًا” قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل”.

عندما شن نصارى أوروبا الحملات الصليبية على الشرق الأوسط حرصوا أن يكون للرهبان مكانهم في هذه الحملات؛ فوعدوا المقاتلين بجنة الفردوس لمن مات منهم شهيدًا في سبيل تخليص بيت المقدس من الكفار – المسلمين – وبالنعيم في ربوع البيت المقدس لمن بلغه منهم حيـًّا وحرضوا العامة على القتال حتى كان معظم المقاتلين من المدنيين واللصوص وقطاع الطرق وليسوا من ذوي الخبرة العسكرية، فكان قادة الجند يرسلونهم في المقدمة ليتلقوا ضربات المسلمين غير مأسوف عليهم، ثم يلتحمون من بعدهم، وكانت هذه الحملات واحدة من أكبر صور التعاون بين الرهبان والملوك في أوروبا لسوق العامة باسم الدين لتحقيق مآرب غير ذات صلة بالهمج الرعاع متبعي كل ناعق.

في الحرب العالمية الأولى تحالفت الدولة العثمانية مع ألمانيا ضد كل من روسيا وفرنسا وبريطانيا فأعلنت الحرب المقدسة في تركيا على أهل الصليب أعداء المسلمين.

وكأن الألمان كانوا ممن سبق إلى الإسلام وحسنت أعمالهم ولكنها دعاية العلماء للملوك، أخذت هذه الدعوات صبغة الإسلام، رغم أن الدولة العثمانية في هذا الوقت كانت أبعد ما يكون عن الإسلام، وكانت قد تهيأت لتلبس حلة العلمانية التي جاءت على يد مصطفى كمال بعد ذلك. دخلت الدولة العثمانية الحرب إمبراطورية كبرى وخرجت منها دولة تركيا المنهكة العلمانية المعادية للدين وقد فقدت الشرق الأوسط كله بما فيه سوريا والعراق وبلاد الحرمين، بعدما كانت قد فقدت مصر من قبل على يد الإنجليز.
في الحرب العالمية ذاتها أرسلت إنجلترا الضابط لورنس ليقود العرب في حربهم ضد الدولة العثمانية التي سامتهم سوء العذاب وفرقت كلمتهم فاستغلت حب المسلمين للجهاد وأقنعت الأمير فيصل أمير مكة بضرورة استرجاع الخلافة من الأتراك لتكون في يد العرب مرة أخرى؛ فحشد الشباب للجهاد ضد الدولة العثمانية بقيادة ضابط نصراني لا يعلم عنه الذين ضحوا بأرواحهم شيئـًا اللهم إلا أنه من عباد الصليب.

إبان احتلال الروس لأفغانستان انطلقت أفواه العلماء تحرض وتدعو للجهاد في سبيل الله ضد المحتل الشيوعي الذي جاء قاصدًا العرض والأرض، وسيقت من الكتاب والسنة آلاف الآيات والأحاديث التي تؤجج قلوب المسلمين نارًا على أعداء الله من الملحدين، حتى إذا انتهت الحرب وجاءت حقبة الأمريكان خرست كل أفواه كانت قد تكلمت من قبل، ونعتوا من حاربهم بالإرهاب والتطرف في ازدواجية تجعل الحليم حيرانـًا ولكنها ازدواجية الملك والعلم.

إبان اندلاع ثورات الربيع العربي المباركة اندلعت معها ثورة علمية على كل موروث إسلامي بقي في هذه الأمة يحافظ عليها، فتخلى كثير من العلماء عن جهاد الظالم ودفع الظلم وكرامة المسلم وتمسكوا بوجوب الطاعة لحاكم اعتبروه ابتداء ولي أمر ولو ضرب الظهر وأخذ المال، وليت شعري كيف تأول هؤلاء القوم نصوص الكتاب والسنة ليجعلوا من أمة الكرامة أمة ذليلة لا تملك حتى حق رفع صوتها على ظالمها حتى انطلقت الأفواه تدعوا لقتل المتظاهرين وتشبيههم بالخوارج.

كل هذا أدى إلى ما أدى إليه فساد الكنيسة الأوروبية في حس الشباب المسلم، حيث كفر النصارى بالكنيسة ومن فيها واحتقروها ورجالها، وكذا الحال في الشباب المسلم الذي لم يجد من يخرجه من حاله البئيسة، بل وجد الدين في كله مرة يزيد من أعبائه ويشد وطأة الظلم عليه، ولكن الله تعالى قدر لهذه الأمة بعض علماء وافق علمهم عملهم فصدعوا بقول الحق على رؤوس الأشهاد فأثبتهم المجرمون وأخرجوهم وقتلوهم، بل شهد قوم منهم لله فحرقهم المجرمون في ميدان رابعة في مشهد يجسد لنا كيف قعد الكافرون يفتنون المؤمنين في دينهم ويحرقونهم في الأخدود.

حشدت الأمة كلها بعد الثورة للاصطفاف خلف الجماعة الإسلامية الكبرى الإخوان المسلمين في أكثر من بلد باسم الإسلام تؤازرهم وتدفع معهم، فلما أفشلوا وانقلب الذين تشمئز قلوبهم إذا ذكر الله وحده على تجربة الإخوان المسلمين لم يبق أمام الشباب المسلم إلا خيار واحد لا غير وهو الجهاد مرة أخرى.

هنا كانت أطروحة الجهاد من أجل الخلافة مرة أخرى أطروحة ليست بالجديدة في تاريخ الأمة المسلمة، أطروحة مكررة في غير وجهتها المأمور بها، إقامة الدولة في غير ذي أرض ولا قدرة، دولة في أروقة الفضاء الإلكتروني ثم الخلافة وتنصيب الخليفة الجامع الذي وجبت له السمع والطاعة وأحدنا لا يعرف عنه إلا اسمه وصورته بينما استلزم تنصيب الخليفة الراشد بيعة الخاصة ثم بيعة العامة بمن فيهم الصبيان والنساء في خدروهن، بل إن كل من خرج عن أمرهم فبين مرجئ وكافر طاغوت.

في ظل عجز الجماعات الإسلامية الأخرى عن تقديم بديل ناجح وكبت وقتل للمسلمين يتوجه الشباب المسلم بفطرته لمن ظن أن له الغلبة، لا سيما لو كانت الغلبة مبررة باسم الجهاد وإقامة الخلافة، دغدغة لعواطف الشباب باسم إلغاء الحدود التي رسمها أهل الصليب، دغدغة باسم إقامة دين الله في الأرض، لم يجد الشباب إلا أن يتجمع حول هذه الأطروحة ويبرر أخطاءها؛ فهي الوحيدة التي تدافع عنهم بعدما فشل الجميع في محاولة لملء فراغ مؤلم وطلب لمكاسب سريعة ملموسة على الأرض تراها الأعين عبر الإصدارات السينمائية الاحترافية لتعيد للأذهان مرة أخرى حقيقة أن عامة الناس لا يملكون القدرة على التفكير والبحث، وأن صورة واحدة تدغدغ العواطف تراها العين أفضل من ألف كتاب أكاديمي يفصل الحقائق لمن أراد معرفتها ولكن أكثر الناس لا يريدون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد