هناك من يقول، ربما يكون تنظيم الدولة الإسلامية بقيادة البغدادي هي الطائفة المنصورة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث، وعند سؤاله وكيف ذلك؟ ولدى هذا التنظيم سجل حافل من الجرائم التي طالت في معظمها الأبرياء من الناس، فيجيب صاحبنا، أنا لا أقول إن هذا التنظيم ليس له أخطاء! ولكن، ربما يقوم بعملية مراجعات لمواقفه كما فعلت كثير من الجماعات ويصحح من مساره وبعدها تنطبق على هذا التنظيم شروط ومواصفات الطائفة المنصورة!

حقيقةً عجبًا ما أسمع، والأكثر عجبًا أن ينحدر مستوى الفهم لدى بعضنا إلى هذه المراحل المتدنية، كي تنطلي عليه تلك التفسيرات والتحليلات البعيدة عن الفهم السليم، وبعد ذلك نحاول أن ننسج من تلك التفسيرات «مستعينين بخيالنا»، مستقبلًا زاهرًا ينتظر الأمة الإسلامية على أيدي هؤلاء أو أمثالهم.

حقيقةً إنها مسألة مؤلمة حينما يُسمع بين أوساط مثقفينا من يتبنى مثل هذا الطرح، ولكن السؤال هو، ما السبب الذي أدى إلى هذا الانحدار بعقول بعض مثقفينا إلى هذا الدرك؟

ولتفسير هذه الظاهرة، وجدت إنَّ كثيرًا من الأمور حدثت وقادتنا إلى تلك النتيجة.

أولها: الإحباط الذي تمر به الأمة؛ فإنَّ توالي الضربات على أمتنا الإسلامية من قبل أعدائها بالداخل والخارج، واستمرار تكميم أفواه من يصدحون بالحق وينادون بالحرية، جعل شبابنا يرى أنَّ الوسائل الديمقراطية لتداول السلطة والتي أصمَّ الغرب آذاننا بالمناداة لتطبيقها في بلداننا، قد أصبحت عديمة الجدوى، خاصةً وأنَّ الذين نادوا بتطبيقها، هم أنفسهم أول من وقف ضد نتائجها عندما وصل إلى سدة الحكم تيارات إسلامية معتدلة، لقد تم محاربة الإسلام المعتدل بكل وحشية من خلال الأنظمة القمعية الراسخة جذورها في الأرض العربية وبمساندة العالم الغربي الذي يدعي أنه يدافع عن الديمقراطية.

كل هذا جعل شبابنا ينتهي إلى قناعة مفادها أنَّ التغيير السلمي لواقع شعوبنا المزري من خلال العملية الديمقراطية والذي تنتهِجهُ التيارات الإسلامية الوسطية، لا ينفع بتاتـًا مع تلك الأنظمة المستبدة والمتشبثة بالحكم، وأنَّ ادعاءات الغرب بالدفاع عن الديمقراطية في دول العالم، هي محض أكاذيب، وأنها لا تتردد بضرب أية عملية ديمقراطية تكون نتيجتها، وصول تيارات إسلامية معتدلة للحكم تسعى للنهوض بواقع الأمة وبناء أنظمة ناجحة تستمد شرعيتها من شعوبها، مثال ذلك ما حصل في مصر وتونس، بل لديها الاستعداد لإدخال البلاد في فوضى مسلحة إذا استدعى الأمر ذلك، كما في ليبيا وسوريا واليمن.

كل هذه الأمور إضافة إلى ما تمتلكه الأنظمة الاستبدادية من تاريخ أسود وطويل بالتعامل مع شعوبها، ولَّدَ عند الشباب روح المقاومة والانتقام واتخاذ العنف سبيلًا للتغيير.

هنا ظهر تنظيم داعش أو ما يسمى بدولة الخلافة الإسلامية كما يحلو لهم أن يسموا أنفسهم به، ليستثمر حالة الغضب المتولدة في نفوس الشباب ولتوجيهها بما يخدم تحقيق أغراضه، هذه التنظيم المشبوه التي لا نبرئ الغرب قطعًا من دعمه، أو على الأقل غض النظر عن تمدده وتسلطه على رِقاب شعوب المنطقة، ما دام ذلك يصب في مصلحتهم.

إنَّ الغرب يمكنه وبسهولة القضاء على هذا التنظيم الشاذ، لكنه ما دام مستمرًا بتقديم الخدمات لهم، من خلال إسباغ الطابع المتطرف عن الإسلام وإغراق شعوب المنطقة بمشاكل ليس لها أول وليس لها آخر، لِمَ يقضي عليه؟ بل ستكون «ظاهرة داعش» هي الحجة المناسبة لاحتلال أراضينا واستعباد شعوبنا مرة أُخرى بحجة محاربة الإرهاب.

أما السبب الثاني: فإن محاربة الفهم الوسطي للإسلام جعل الساحة فارغة لصالح المتطرفين من أصحاب الفكر المنحرف المتمثل بفكر داعش، فاستطاع أن يبث أفكاره بوسط الشباب المسلمين القليلي المعرفة بأحكام دينهم، واستغل حبهم لهذا الدين وشغفهم لنصرته، وبسبب خلو الساحة ممن يوضح لهؤلاء الشباب دينهم الحق، فقد أصبحت الأرضية مهيئة لتلك الأفكار المتطرفة والتي تتميز ببساطتها وامتلائها بالشحنات العاطفية البعيدة عن كل منطق أو عقل، والذي يتوافق تمامًا مع أفكار الشباب الصغار من أصحاب العقول الصغيرة حصرًا.

لقد فسر منظرو داعش الآيات والأحاديث وفق مصالحهم بتفسيرات مغلوطة أو مغالية وبعيدة عن الفهم الصحيح لروح الإسلام، هذه التفسيرات وفرت لأتباع داعش، المبررات العقائدية «وفق ما يظنون» لأعمالهم الإجرامية، فما كان من شباب المنطقة ونتيجة لتلك الأسباب التي ذكرناها، إلا الانخراط مع تلك المنظمة المشبوهة ليضيّعوا دينهم ودنياهم.

لكن إذا فسرنا أسباب انغماس الشباب الصغار قليلي الخبرة والتجربة مع أولئك المتطرفين، فما هو تفسيرنا للمحسوبين من أهل الثقافة والدراية ببواطن الأمور، انغماسهم بموجة التطرف تلك؟ ذلك عندما يقولون إنَّ داعش ربما تُراجع توجهاتها وتستقيم على ما أمر الله به، ومن ثم تَصلُح أن تكون قائدة للمسلمين وتنطبق عليها شروط الطائفة المنصورة؟

لقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من أحاديثه عن الطائفة المنصورة، فهل ينطبق إحداها على أفراد داعش؟

يقول صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا يا رسول الله وأين هم قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس».

فصفات الطائفة المنصورة حسب الحديث النبوي الشريف هي «ظاهرون على الحق، قاهرون لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، مكانهم ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس».

فهل داعش جماعة ظاهرة على الحق؟ أم أنَّ كل أعمالهم هي من الباطل، بل لم يشهد لهم عالم من علماء المسلمين حتى الآن على صلاحِهم.

وهل هم قاهرون لعدوهم؟ إنَ جلَّ أعمالهم ضد المسلمين من تفجير إلى قتل إلى ذبح، وإنَّ تفجيراتهم التي ينفذونها على دول الغرب لا يستفيد منها المسلمون هناك سوى التشويه الذي يلحق سمعة الإسلام والمسلمين في العالم ورفع مستوى الكراهية للمسلمين، وأول ضحايا هذا التشويه هي الأقليات المسلمة التي تعيش هناك.

وهل هم ببيت المقدس أو بأكناف بيت المقدس؟ الجواب: لا، لقد ظهروا بجبال أفغانستان وانتشروا بكل العالم، ما عدا فلسطين وبيت المقدس حيثُ يحرّمون على أنفسِهم محاربة اليهود أو أنصار اليهود فيه.

إنَّ ما صح ابتدائه صح انتهائه، فالتنظيم الذي ابتدأ تاريخه بذبح الأبرياء، وإجهاض الثورات، ومحاربة الفصائل المقاومة للاحتلال أو للأنظمة المستبدة، وهم مستمرون على ذلك إلى الآن، لا أمل فيهم ليعودوا جماعة نظيفة وطاهرة ببضع مراجعات تقوم بها.

ثم ما حكم الجرائم التي اقترفوها بحق المسلمين وعلى جميع المستويات، هل تموت بالتقادم؟ أم يطبقون القاعدة الفقهية «أن الاسلام يجبُّ ما قبله»، هل هم كفار فتابوا فتاب الله عليهم، وأبدل سيئاتهم حسنات؟

وماذا عن أموال المسلمين، من يتحمل ضياعها؟ ومن يردها إلى أهلها؟ فكم من أموال الناس صادروها وكم الجبايات التعسفية فرضوها على الناس ، وكم من الممتلكات العامة التي سرقوها وباعوها، بل لم ينج منهم حتى تاريخنا فحطموا بعض ما وصلت إليه أيديهم من آثارنا التاريخية وباعوا بعضها الآخر.

الحقيقة أنَّ تنظيم داعش لا يختلف كثيرًا عن جماعة الحشاشين الذين ظهروا في تاريخنا الإسلامي وأذاقوا المسلمين الويل على أيدي مجرميها، ولم يقض عليهم سوى هولاكو عندما كان في طريقه لاحتلال بغداد، فأهلكهم الله بظالمٍ هو أشدُ منهم ظلمًا.

تلك النهاية التي نتوقعها أيضًا لتنظيم داعش، فإن كان المسلمون الآن لا يمتلكون القوة التي يقضون بها على داعش الآن، فسيهلكهم الله لا محالة بظالمٍ هو أشد منهُم ظلمًا، وما ذلك على الله بعزيز.

وأخيرًا أما آن الأوان لمن يرجون الخير بمثل هؤلاء أن يفطنوا لما وقعوا فيه من مغالطات، في زمن الفتن الذي نعيش فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد