دائمًا ما يدور الجدّل في أبحاث الدولة حول ماهيتها أو تطورها التاريخيّ أو على نحو كبير حول جهاز الدولة ذلك أن البوابة التي دخل بها هيجل إلى الدولة هي فلسفة القانون، كذلك فيبر كان شديد الإهتمام بالبيروقراطية المدنية والعسكرية حتى دخل في تعميمات كبيرة في بحوثه وإغراق مفرط في الاهتمام بالدولة كـ(جهاز إداري وبيروقراطي) يجب عقلنته.

بورديو هو من نبهنّا إلى اللامرئي الذي تحتكره الدولة أيضًا غير المادي ويؤثر في حياتنا تأثير بالغ على الذاكرة الاجتماعية والتقويمات الزّمنية عمومًا. بالطبع بورديو قلقِ ومرتاب تجاه التعريفات الأولية للدولة باعتبارها شديدة الالتباس والتعقيد لكنه يقبل مؤقت تعريف الدولة الأول في النظريات الكلاسيكية كنظريات هوبز أو لوك حيث تظل الدولة حسب هذا التعريف مؤسسة محايدة تهدف تحقيق المصلحة العامة المشتركة، يعي بورديو خطورة القبول بهذا التعريف مؤقتًا مع النظرية النقدية للدولة خصوصًا النقد الماركسي الذي يرى أن الدولة في ليست جهازًا موجهة نحو المصلحة المشتركة، بل جهاز قهر وإكراه وحفاظ على النظام العام، ولكن لمصلحة المسيطرين اقتصاديًا.

يقول بورديو إن النقد الماركسي للدولة من ماركس ألتوسير وحتى غرامشي لا يطرح مشكلة وجود الدولة! بل يحل الماركسون هذه المعضلة عبر تعريف الوظائف التي تقوم بها الدولة، مجمل ما يدور حوله النقد الماركسي للدولة هو توصيف ما تقوم به الجهاز والوظائف؛ وبالتالي الناس الذين تعمل لمصلحتهم، لكن دون أن يطرحوا السؤال عن بنّية المكانيزامات التي يفترض أنها تؤسس ما يؤسس للدولة، وفق ذلك يرى في  النظرية الكلاسيكية أنها تلامس تأليه الدولة وإن لم يعلن عنها فهي رؤية مضمرة في تقاليد النظرية الكلاسيكية وسُننها لكن يقبلها مؤقتًا حتى يسهل فهمه، لكن بالنسبة لبورديو نظرية الدولة الكلاسيكية وكذلك النظرية النقدية للدولة، خصوصًا عن الماركسين، هنالك اهتمام بالغ فيهما بالإداري والوظيفي والبيروقراطي، الذي يجعل ماكس فيبر  حاضر الآن هو أن بورديو وسع تعريف فيبر للدولة هي التي تحتكر العنف المشروع بأن جعله احتكار العنّف المادي والرمزي، ذلك أن العنّف الرمزي هو شرط ممارسة العنف المادي نفسه.

وصف بورديو العنف الرمزي بأنه عنف لطيف وغير مرئي، لكنه محسوس بالدرجة الأولى، في اشتباك مستمر الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والرمزي، وهذا العنف لا يؤثر فقط على الأفراد، بل يؤثر في علاقة جدلية مستمرة بين الأفراد من جهة والبنيات الاجتماعية من جهة أخرى، فالعنّف الرمزي يدّرك بالإحساس لطبيعته اللامرئية، طوّر بورديو أيضًا مفهوم الرمزي ووسعه فنّحت غير العنف الرمزي المتعلق بالدولة مفهوم الرأسمال الرمزي، الثقافي، كذلك الاجتماعي، وكلها تتشابه في كونها سلطة رمزية للفرّد غير السلطة المادية المحسوسة، بذلك نفهم بعدًا جديد من فهم العنّف الذي تمتلكه الدولة يمكن أن يعمق ميدان البحث الاجتماعي في تحليل تأثر الدولة على الأفراد والجماعات. 

هالبفاكس وهو باحث وعالم اجتماع فرنسي (1877 – 1945) قام بورديو بإحياء أطروحاته في الذاكرة فقد ذّكر بورديو في أكثر من موضع كتاب هالبفاكس الأطر الاجتماعية للذاكرة، قد قدم هالب أطروحته في الأبحاث المتعلقة بالذاكرة في الدراسات الثقافية، يعتبر أن عملية التذكر الفردية لا يمكن أن تنشأ إلا ضمن إطار اجتماعي معين، بما يعني أن أسس أي استحضار للذكريات إنما ينبغي البحث عنها في جهة ما يسميه الأطر الاجتماعية للذاكرة، أي تلك التقويمات والمعالم الاجتماعية المحضة التي نقوم بتنظيم حياتنا عليها،  ذلك عكس التصورات العلموية السائدة في ذلك العصر التي تربط الذاكرة وعملية التذكر الشخصية كعملية بيولوجية مفصولة تمامًا من الإطار الاجتماعي والجماعي الذي ينشأ فيه الفرد ويرتبط به.

ذلك أنه حتى وإن لم تعان من قسّر الدولة وقوتها وسطوتها في بادية من البوادي البعيدة في متسع من الحرية فإن هنالك آثر أثقل من المادي العنيف الذي تقهرك به الدولة هو الرمزي على نحو ما يضر الجميع المتعلم والأمي في المدن والريف إلى تكيّف حياتهم وفق الدولة حتى المجال الخاص يربط بالدولة، مناسبة الأعراس والاحتفالات ولمات الأسر كلها تسيّر وفق تقويم الدولة بشكل عام، لا أحد يزور أهله في الريف إلا في أجازة المدارس الصيفية، لا أحد يتزوج إلا في أجازات العيد أو الجمعة والسبت حتى يشّارك الجميع، يستحضر الجميع ذكرياتهم الشخصية في الحيّاة وفق الرسمي من الدولة، جميع ذكرياتنا تُحكى وفق أطر الإجتماعي الرسمية مثلًا نسمع مئات القصص على ذات القوالب: (في عام 2012 كنت في الصف الثاني الثانوي أيام الجامعة كان، أيام الماجستير تعرفت على بنت وخطبتها وتركتها، تزوجت بعد التخرج بسنتين، تزوجت وأنا مازلت أدرس بالجامعة، صديقتنا ريم تزوجت ونحن في الثانوي حاليًا أنجبت طفلين، توفي والدي وأنا في الابتدائي…).

تختلف الذكريات بين الأفراد على اختلاف المناطق والجامعات والثانويات، لكن كلها تحتفظ بالأطر الرسمية التي تخلقها الدولة (المدرسة، الجامعة، الوظيفة العامة) وتبدأ سردّ ذكرياتها وفقًا.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد