سحب السيف من غمده لبتر صوت الحق والحقيقة. في حمأة الصراع بين السلطة والأصوات الحرة المفكرة، تتبدى داخل دول المعمور قوانين محاربة الإشاعة والأخبار الزائفة، في محاولة للسيطرة على الألسن والأذهان وترويج ما يناسب مركز القَوي ويخدم مصالحه ويحكم سيطرته على الرعية. فالسيطرة على العقل تصير الدولة مرتاحة البال وفي غنى عن استعمال العنف بأنواعه ضد الرعية.

مصطلح الأخبار الزائفة ظهر بشكل بارز مع صعود الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب لسدة الحكم. حاول عن طريق الحرب الإعلامية زرع الشكوك في قلب المواطنين تجاه الصحافة الأمريكية المعروفة بمهنيتها واستقلاليتها. هذه الأخيرة تجلدت أمام جبروت ترامب ونبشت في تاريخه وتناقلت أخباره بما تمليه أخلاق المهنة. بيد أن ترامب استشعر منذ الوهلة الأولى مدى قوتها وتسرع في مهاجمتها حتى إن الصحف التي ساندته في حملته الانتخابية انقلبت ضده. الرئيس الأمريكي لم يجد سبيلًا لمجابهتها إلا بالتضييق عليها. استغل موقعه على رأس هرم الدولة ونعت ما تتناقله من أخبار بأنه مزيف ترهيبًا للمواطنين من جسم الصحافة الأمريكي.

إن القصد من تأسيس الدولة ليس زرع الخوف في قلوب الناس وإرهابهم بالعنف والقوانين الزجرية، وتصييرهم حيوانات غير عاقلة لا دور لها سوى الانصياع، بل القصد منها تحريرهم من الخوف والعبودية حتى يتمكن كل فرد على حدة من أن يعيش في سكون وطمأنينة، قادرًا على التعبير بحرية، معتمدًا على قدراته الذهنية دون إجحاف وجور في حق الآخر.

إن القوانين الجديدة طمرت مكتسبات الماضي. التلهف للتعبير والرغبة في الكتابة دون قيود اتسعت في عصر التكنولوجيا والثورة المعلوماتية، واعتقد الجميع أننا حقًا أصبحنا أحرارًا. زعم ليس في محله.

ذات ضحى، كان بمقدور لفيف من الناس التعبير والتفكير والكتابة والنشر داخل التجمعات البشرية في القديم. كانت الدولة القديمة لا تتورع عن اللجوء إلى القوة للقضاء على هذه الأصوات والقوى الرابضة من ورائها. تغيرت الظروف، أصبح الكل يدون على مواقع التواصل الاجتماعي، الصغير كما الكبير، وانتشر مفهوم «المواطن الصحفي» بسلبياته وإيجابياته، وظهرت الصحافة بشكل قوي خاصة مع الثورة التكنولوجية والمعلوماتية الهائلة.

تناقل المعلومة بالشكل السلس الحالي، ترك الدول في وضع معقد. وللحد منه، سنت قوانين «الحق في الوصول إلى المعلومة» وهي في حقيقة الأمر قوانين تحرم المواطن من بلوغها، وقوانين «الحق في الصورة» و«الأخبار الزائفة».

مؤسسة الدولة تنوي الرجوع للعصور الغابرة وتمنع المواطنين من ابتياع معالي الحرية وتقضي على استقلالهم الفكري، وتوحد الآراء صوب فكرة واحدة تخدم مؤسسة الدولة. إلا أن هذا لا يمكن حدوثه، فكيف لجميع المواطنين أن توحد أفكارهم، ويؤمنوا بفكرة واحدة تروج لها مؤسسة الدولة؟

لا يمكن السيطرة مطلقًا على ما يروج داخل العقل. قد نجد أحدًا يقول أمرًا لا يؤمن به بتاتًا، ويكون فعله عكس قناعاته. قد نستسهل هذه العملية ونعتبرها أمرًا عاديًا، لكنها تهدد العقد الاجتماعي الشرط لتأسيس الدولة والرابط بين الحاكم والمحكوم. إن محاولة تكميم أفواه الناس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، تتوالد عنها مقاومة أصحاب الفكر للوضع. فما يعيث فيه الأشرار فسادًا ينعشه المفكرون بالكلمة.

إن من لا يشاطر السلطة السياسية أفكارها وأيديولوجيتها تصنفه عدوًا من المفروض القضاء عليه، وهذا حقها، بيد أن هذه الوسيلة العنيفة لا تتماشى مع الطرق العقلانية والديمقراطية الحديثة في الحكم وتسيير شؤون الدولة. قد ينجح هذا التدخل العنيف في دولة ديكتاتورية أو ثيوقراطية أو غيرها، إلا أنه مع المفاهيم الجديدية لحقوق الإنسان، أصبح هذا أمرًا متجاوزًا ولم تعد الدولة أحوج إليه.

إن الاعتقاد بالحرية في التعبير والإفصاح عن ما يدور في الذهن، لن يجلب على السلطة السياسية أي متاعب، طالما هي في حدود العقل. والسماح بهذه الحرية سيترك رد فعل الدولة معتدلًا حسب ما أشار إليه «سبينوزا». لا أرى مندوحة للدولة سوى أن تصب جل تركيزها واهتمامها في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية الملامسة لحاجيات المواطن، وأن تترك قضايا الرقابة على الفكر والعقل، فلا فائدة من سن قوانين على أفكار ومعتقدات حبيسة العقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد