يذكر منظرو العقد الاجتماعي في كتاباتهم عن مسألة عنف/ قوة الدولة؛ من أمثال توماس هوبز (1588-1679) وجان جاك روسو (1712-1778)، أن تنازل المواطنين عن حقهم في الاستخدام الخاص للقوة – فيما عدا الدفاع عن النفس إزاء خطر مباشر- يأتي مقابل تعهد الدولة بحمايتهم. وطبقًا لماكس فيبر (1864-1920)؛ فإن الدولة تؤدي أحد مهامها الأساسية إن حافظت على الاستخدام المشروع والحصري للقوة.

لكن الأزمات السياسية المعاصرة سلبت دولاً عديدة قدرتها على احتكار العنف وحماية مواطنيها، وخاصة بعد حقبة الحرب الباردة. وتربط إلكي كرهمان؛ المحاضرة بقسم السياسة بجامعة بريستول في بريطانيا، تلك القدرة بعامل الديمقراطية (أي: ضمان قدر من المشاركة السياسية)، والذي يوفر نوعًا من الاستقرار والسلام الداخلي، وفي حال انعدام ذلك العامل فإن الدول تصبح عُرضة لتحديات سياسية وأمنية، قد تدفعها لتفويض سُلطاتها – أو بعض سُلطاتها- لجهات أخرى كي تساعدها على ضبط الأمور، ما يطرح تساؤلات قانونية وحقوقية وسيادية حرجة.

شكل الجدل الفلسفي المذكور أعلاه مدخلاً إلى دراسة قدمها الباحث النرويجي؛ إيفار جروتا جراف، لنيل درجة الماجستير في جامعة أوسلو عام 2012، والموسومة بـ (تأثير الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة على مؤسسات قطاع الأمن الصومالية)، حيث تناقش الدراسة الجوانب السلبية للوجود اللافت للشركات العسكرية الخاصة في الصومال، وذلك باختبار صحة الفرضية القائلة “إن وجود هذه الشركات يساعد على استعادة الأمن والاستقرار”.

ظروف النشأة والمهام:

بعد انتهاء الحرب الباردة شهد العالم نموا في صناعة الأمن الخاص، وصارت الشركات الأمنية الخاصة تلعب الدور العسكري والأمني المفترض أن تقوم به الحكومات في مناطق الصراعات، بشكل كامل أو جزئي.

يشير الباحث إلى أن تسريح الدول الغربية لأعداد كبيرة من العسكريين، واعتمادها المتزايد على التكنولوجيا، وتوجهها نحو تقليل التكلفة المعنوية والمادية المباشرة على المؤسسات الرسمية من جهة، وبروز نزاعات إقليمية/ محلية شائكة، وتحديات أمنية خطيرة في عدد من بلدان العالم الثالث من جهة أخرى؛ حفز المستثمرين على إنشاء شركات خاصة تعمل على توظيف الضباط والخبراء الغربيين المتقاعدين من أصحاب الخبرات العسكرية، ليقوموا بتدريب الجنود المرتزقة المستقطَبين من كافة أنحاء العالم.

تنامى دور الشركات الأمنية الخاصة تدريجيًّا في البلدان الساعية للارتقاء بخبراتها العسكرية، واستعانت بها الأنظمة الهشة التي لم يعد لديها قوة دولية تسندها بعد الحرب الباردة، وتعاقد معها أفراد متنفذون ومنظمات مدنية/ أممية وبعثات دبلوماسية تعمل في البلدان غير المستقرة، كما استعانت بها الولايات المتحدة ودول أخرى لتسيير مصالحها في المناطق الملتهبة من العالم.

قام كريستوفر كينزي؛ أستاذ الدراسات العسكرية بالكلية الملكية في لندن ومؤلف كتاب (جنود الشركات والأمن الدولي: صعود الشركات العسكرية الخاصة)، بتصنيف هذه الشركات بناءً على الوسائل التي تستخدمها لتأمين أهدافها إلى قسمين: قاتلة وغير قاتلة. ومن حيث نوعية الخدمات التي تقدمها ومستوى القوة التي تستخدمها، فإن الباحث يصنف مهام هذه الشركات إلى ثلاثة أصناف: شركات الدعم العسكري التي تتولى إدارة الخدمات في خطوط المواجهة الأمامية، وقد يشتبك موظفوها في حرب حقيقية كمختصين أو كقادة للقوات، وشركات الاستشارات العسكرية التي تقدم خدمات تدريبية واستشارية، وشركات الدعم اللوجستي التي تقدم خدمات عسكرية تكميلية غير قتالية.

شركة بانكروفت نموذجًا:

أسس الأمريكي مايكل ستوك شركة بانكروفت عام 1999 عقب تخرجه من جامعة برنستون. وعلى موقعها الرسمي في الإنترنت تذكر الشركة أنها تعمل/ عملت في 26 دولة، من بينها أفغانستان والعراق ومالي وكولومبيا، وتُعدّ الصومال المحطة الأهم – حتى الآن- في مسيرة الشركة.

تعتبر شركة بانكروفت العالمية للتطوير؛ الشركة العسكرية/ الأمنية الخاصة الوحيدة التي تعمل في الصومال بترخيص ضمني من قبل لجنة العقوبات في مجلس الأمن الدولي، بسبب تعاقد الشركة مع قوات بعثة الاتحاد الأفريقي “أميصوم”، التي أعفيت من التقيد بقرار حظر الأسلحة الخاص بالصومال.

وبغضّ النظر عن مصداقية قرار “حظر الأسلحة” في بلد لم تتوقف فيه الحرب طوال ربع قرن؛ فإن الباحث يصف شركة بانكروفت بالوكيل العسكري للولايات المتحدة في جنوب ووسط الصومال، إذ تقوم الحكومتان الأوغندية والبروندية بالتعاون مع الأمم المتحدة بدفع الأموال للشركة لقاء خدماتها العسكرية والأمنية، ثم تقوم وزارة الخارجية الأمريكية بتسديد المبالغ المدفوعة وإعادتها إلى الحكومتين.

دعمت الشركة القوات الأفريقية في الصومال مع بداية خوضها معارك شرسة ضد حركة الشباب المجاهدين منذ عام 2008، وقامت بتدريب الجنود الأفارقة على إدراة المنشآت العسكرية، وتكتيكات محاربة التمرد، وتفكيك العبوات الناسفة والمتفجرات، وتدريب القناصة. ورغم أن الشركة تصنف كــ “شركة استشارات عسكرية” ولا يوجد إقرار رسمي من قبلها بوجود مقاتلين لها في الصفوف الأمامية للمواجهات العسكرية، إلا أن بعض الأحداث تشير إلى عكس ذلك، كان آخرها هجوم حركة الشباب الأخير على قاعدة “حَلَنِي” العسكرية في مقديشو في 25 ديسمبر 2014، والذي قتل فيه أحد مستشاري شركة بانكروفت، الضابط الأمريكي السابق في قوة الدلتا الخاصة (بريت فريدريكس).

حسب ما ذُكر في تقرير نشرته الـ (فورين بوليسي) في 22 يناير 2015، فإن أرباح (شركة بانكروفت العالمية للتطوير) نتيجة عملها في الصومال بلغت خلال السنتين الأخيرتين حوالي 35 مليون دولار. وللشركة فرع تابع معني بالاستثمارات العقارية (شركة بانكروفت العالمية للاستثمارات) استثمرت عبره نحو 40 مليون دولار في الصومال، وحصلت على عائدات تعوض بشكل كاف مخاطر الاستثمار في بيئة غير آمنة، ونشرت صحيفة (وول ستريت جورنال) في 26 أبريل 2013 مقابلة أجرتها مع مايكل ستوك في مقديشو، تحدث فيها عن أحدث مشاريعه الاستثمارية في الصومال، وهو مجمع سكني على شاطئ المحيط الهندي، أشبه ما يكون بفندق خاص، يحوي 212 غرفة، ومرافق خدمية وصحية وترفيهية.

تداعيات خصخصة الحرب:

يستشهد الباحث بآراء أكاديميين عسكريين يؤكدون “أن الشركات العسكرية والأمنية الخاصة تستمد شرعيتها من المنطق العملي الذي فرض وجودها على أرض الواقع ابتداءً”، ونظرا لضبابية الأساس القانوني والسياسي للشركات، وعدم وضوح سلطاتها بشكل محدد في البلدان التي تعمل فيها – خاصة تلك التي يتسم نظام حكمها بالضعف– فإن إمكانية المساءلة القانونية وشفافية مراقبة أدائها أمر في غاية الصعوبة، فضلاً عن نزوع هذه الشركات لتكوين قوة مستقلة ومتفوقة على المؤسسات السياسية المحلية في المناطق غير المستقرة.

في هذا الصدد يشرح الباحث ما يطلق عليه “نظرية الوكالة” التي تتشكل معالمها في الظروف التي تظهر فيها الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، وطبقًا لتلك النظرية فإن الوكيل (الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة) يقوم باستغلال الوضع لصالحه لعلمه بصعوبة مراقبته، وقد يعمل ضد مصالح الجهة التي تعاقدت معه، ويُخفي عنها معلومات تتعلق بالمهام التي يؤديها إن رأى مصلحة في ذلك.

ضبابية الأساس القانوني والسياسي للشركات منح القوى العظمى خيارات أوسع وأقل تكلفة لتحقيق مصالحها المختلفة؛ فالجندي الأمريكي المنخرط رسميًّا في سلك الخدمة – وكذا الحال في سائر الدول الغربية- ينظر إليه كثروة وطنية، وأية خسائر حتى لو كانت غير فادحة في أرواح الجنود قد تؤدي إلى معاقبة الناخبين للرئيس وحزبه الحاكم، وبما أن الدول هي من يتحمل أمام الرأي العام العالمي – ولو بشكل صوري- مسؤولية الاعتداءات والتجاوزات التي يرتكبها جنودها خارج حدودها، فإن هذه التبعات تختفي أو تقلُّ وطأتها حين توظف الدول الغربية الشركات الخاصة بدلاً من إرسال جنودها عبر الحدود.

في هذا السياق؛ يسرد الباحث رأي روبرت جاكسون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بوسطن ومؤلف كتاب (السيادة: تاريخ فكرة)، الذي يميز بين السيادة السلبية والسيادة الإيجابية للدول، ويشير إلى مفهوم “شبه الدولة” الذي يطلق على دول كانت مستعمرات سابقة لدول غربية، فمع تمتُّع بلد ما بحكومة دستورية؛ فإنه قد يفتقِد إلى السمات الأساسية لدولة المؤسسات طبقًا لمفهوم القانون الدولي.

بناءً على ما سبق؛ فإن الصومال تعتبر “شبه دولة” ذات سيادة منقوصة، ما يضاعف التأثير السلبي الذي تتركه أية تدخلات خارجية، ويؤدي إلى تآكل قوة “الدولة”، ويهدم بشكل جذري مبدأ احتكار الدولة للعنف المشروع، ويتسبب بتعطيل أو تأخير مشاريع بناء المؤسسات الوطنية، وعليه فإن الجهود والخدمات التي تقدمها الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة، وأية جهة خارجية أخرى، لن تكون على المدى البعيد بديلاً دائمًا وفعالاً للمؤسسات الوطنية، ولن تغني عن ضرورة التقليل من الاعتماد على قوى خارجية (خاصة أو رسمية) لحماية المواطنين والحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد