الدولة المصرية – على ما تبدو عليه من قوةٍ – ليست منسجمة بهذه الصورة، بل إن نظام السيسي وَرَث عن مبارك تَرِكة صراع شديدة بين أجنحة الدولة المختلفة، محورا الصراع كانا الخلاف على وريث مبارك والهيمنة على قطاع الأعمال.

فيما يخص المحور الأول فجناح الحزب الوطني ورجال الأعمال بقيادة سوزان وجمال مبارك وأحمد عز كان يرى أحقية جمال بالخلافة المنتظرة، بينما جناح الجيش والحرس القديم لدولة يوليو لن يؤدوا التحية العسكرية سوى لرئيسٍ عسكري – ليس خلافًا حول جمال بقدر ما هي القناعة العقدية لدى المؤسسة العسكرية بعدم صلاحية المدنيين للحكم -، بينما أمريكا لم ترغب – ولا تزال – في تصدُّر العسكر بهذه الصورة الفجّة.

 

فلطالما رغبت في تصدير واجهة هادئة نوعًا ما بينما يدير العسكر من خلف الستار ولهذا كان عمر سليمان خيارها المفضل. وفيما يخص المحور الثاني فالمؤسسة العسكرية التي أصبح رجالها أباطرة “بيزنس” لم تعد تقنع بإدارة شركات القطاع العام – كما كان الحال في دولة ناصر – مقارنةً بالكعكة الكبيرة “السوق المفتوح والقطاع الخاص”، في حين أن رجال الأعمال وصعودهم الملحوظ ثم تصدرهم الحكومة والمناصب الوزارية تحت وصاية جمال مبارك مَثَّل تهديدًا حقيقيًا لأباطرة البزنس العسكريين.

مبارك لم يعنِه كثيرًا أمر توريث الحكم لابنه كما يُشاع بقدر ما عناه استقرار حال دولته، بل يُقال أن أحمد شفيق – المُقرَّب من مبارك وعائلته – كان أحد كروت مبارك كبديل لجمال استرضاءً للعسكر في صراع الحكم المنتظر.

مبارك حاز من الدهاء والحنكة ما مَكَّنه من إدارة هذا الصراع بذكاء بل وتحقيق فائدةٍ من ورائه تتمثل في استقرار نسبي لحال الدولة، خصوصًا بعد معركة عنيفة خاضها ضد الحركات الجهادية في أواخر التسعينات.
لم يجمع هذه الأجنحة المتصارعة سوى اتفاق المصلحة وهي تنحية الإخوان المسلمين الذين مثلوا تهديدًا لجميع هذه الأطراف، ومِثل هذه التحالفات ذات الطبيعة المصالحية قصيرة الهدف لا تستمر طويلًا بطبيعة الحال، ويبدو فعلًا من تلاسن التصريحات بين الفريقين أن شهر العسل لن يدوم طويلًا، فالسيسي ليس مبارك، بل إن السيسي طرفٌ أصيل في الصراع باعتباره منحازًا للمؤسسة العسكرية، فالمشاريع الحكومية تُعطَى بدون مناقصات وبالأمر المباشر لشركات القوات المسلحة.
لم يكن “هيكل” يهذي حينما طالَب السيسي بتنحية وجوه نظام مبارك القديمة، هو يعلم جيدًا أن السيسي لا يرغب في هؤلاء في المشهد، ليس عن شرفٍ ونيةٍ في الإصلاح بالتأكيد، ولكن كتطور طبيعي لهذا الصراع القديم.
الدستور الجديد يقر بصلاحياتٍ واسعة نسبيًا للبرلمان والحكومة، ولا يمكن أن نتخيل أن السيسي سيقبل بصلاحيات كهذه لغريمٍ قديمٍ، وعليه فالمتوقع أن تشهد انتخابات البرلمان المقبل معركة حامية بين الجناحين المذكورين، متمثلة في فلول ورجالات الحزب الوطني من جهة، والعسكريين المتقاعدين من جهة، وهؤلاء – بالمناسبة – فصَّل لهم ممدوح شاهين قانونًا يتيح لهم الرجوع لمناصبهم في حالة سقوطهم في الانتخابات.

وما قَبَل السيسي بتمرير دستورٍ كهذا إلا رغبةً منه في حيازة أكبر قدر ممكن من “الشرعية” في أقل فترة زمنية، ولولا أن فريقه العسكري يحتاج لوقتٍ كافٍ حتى يُعِد نفسه لمعركة انتخابات أمام منافس خبير بهذه العملية – الحزب الوطني – لأنجز انتخابات البرلمان العام المنصرم، ودلالة هذا واضحة في تأخُر لقاء السيسي – الذي يسعى لدولة وليس لنظام حكم كما صرح – بالأحزاب بينما سبق هذا اللقاء لقاءات بالإعلاميين وأشباههم.

نحنُ أمام نموذج مشوه للدولة، يحمل التدخل العسكري الفجّ لدولة يوليو، والتزاوُج القبيح بين المال والسلطة لدولة مبارك، وأيديولوجيا قومية ضيقة مرجعيتها هي المصالح وفقط .
والمُراقب يتضح له أن المساحات الفارغة على الساحة المصرية تتسع شيئًا فشيئًا، وبينما نرى جهوزية الأجنحة المتصارعة في كفة الانقلاب، سواء المؤسسة العسكرية أو رجال أعمال الحزب الوطني أو حتى الكنيسة، نرى في الناحية المقابلة أن القوى الرافضة للانقلاب وعلى رأسها الإخوان لا تتقدم لملء أيّ من هذه الفراغات، ولا تُباشر الإعداد لاقتناص فرصة وسط هذا الصراع.

 

ومعلومٌ أنه في لحظات الارتباك والصراعات المحتدمة تُصبح التغييرات الجذرية مُمْكنة، ويُصبح ما كان مستحيلًا بالماضي ممكنًا، وما كنت تظنه بعيدًا قد يغدو أقرب مما تتخيل لو أحسنت استغلال الفرصة.
ليست مشكلة الإخوان في رأيي هي آليات المواجهة، ولا ثنائية السلمية/ السلاح، ولا الخيارات المتاحة كالتصعيد/ التهدئة، ولكن ما تحتاجه الجماعة حقًا هو تحديد ما تريد إحرازه من أهدافٍ بصورة واضحة، ثم الانتقال من خانة رد الفعل لخانة المبادرة والفعل، مع التمتُع بالمرونة الكافية للتنقل بين الخيارات وفق التغيُر السريع المُتلاحِق في المعطيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد