سؤال لا يختلف في إجابته اثنان، ما هي الدولة؟ إن سألت هذا السؤال سيكون الرد على الفور أن الدولة هي مجموعة من المواطنين يعيشون في مكان محدد ومرسوم ونظام حكم. ولكن دعونا نسأل سؤالًا آخر، ما هي وظيفة الدولة بالتحديد؟ ستكون إجابة العديدين على هذا السؤال غير متطابقة وغير متوازنة وربما غير منطقية، فمنهم من سيقول أن وظيفة الدولة هي توفير الأمان للمواطنين وضمان الحقوق الأساسية والحياة الكريمة، ومنهم من سيذهب رأيه إلى أن الدولة وظيفتها الأساسية في توفير فرص عمل وتأمين اجتماعي وتوفير الدعم بكافة صوره للمواطنين.

هذه الإجابات قد تكون في مجملها هي أساس وظيفة الدولة، ولكن لكي نعرف ما هي بالتحديد وظيفة الدولة أود أن أستعرض فكرة تكوين الدولة من الأساس من نظرية العقد الاجتماعي التي تحاول تفسير نشوء المجتمعات والدول وعلاقة الدولة والسلطة بالمواطنين، وقد فسر العديد من الفلاسفة هذه النظريات بداية من سقراط وأفلاطون، مرورًا بتوماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، وقد اختلف هؤلاء الفلاسفة وعلماء علم الاجتماع في بعض النقاط ولكن اتفقوا على الكثير بل وكانت نظرية وتفسير كل واحد منهم مبنيا على تفسير من سبقه.

فلقد خلص هؤلاء الفلاسفة إلى أن المواطنين ارتضوا أن يسلب منهم جزءًا صغيرًا من حرياتهم الفردية مقابل حماية الدولة لهم، وتوزيع عادل للثروة. وكان هذا الخلاف الرئيسي بين جان جاك روسو في كتابه العقد الاجتماعي وبين من سبقوه، أن المواطن كان يعيش قبل الدولة والقانون (في حالته الطبيعية أو الأصلية) على مبدأ الاكتفاء الذاتي والأخلاقي وسلام في ظل مبادئ أخلاقية. ويعود سبب ظهور (الملكية الخاصة) حسب روسو، إلى ظهور قيم أخرى مثل الجشع والمنافسة وعدم المساواة، الشيء الذي أخرج البشرية من (حالتها الطبيعية أو الأصلية).

وكنتيجة للملكية الخاصة انقسم المواطنون إلى أصحاب أملاك وإلى عمال لديهم، مما أوجد نظام (الطبقات الاجتماعية)، أدرك أصحاب الأملاك أن من مصلحتهم إنشاء “حكومة” لتحمي ملكياتهم من الذين لا يمتلكونها، ومن ثم تم تأسيس الحكومة من خلال (عقد) ينص على توفير المساواة والحماية للجميع بلا استثناء.

وفي الحقيقة نجد أن تفسير الفلاسفة والمفكرين لنظرية العقد الاجتماعي حتى في نقاط الاختلاف كانت قابلة للتحقق وممكنة الحدوث. ولكن هناك اتفاق ضمني بين كل الفلاسفة في أن الدولة لها واجبات أساسية ألا وهي:

1- احتكار العنف.

2- الحفاظ على التعاقدات.

3- حماية الملكية.

بالنسبة لاحتكار العنف، فإن معنى هذا المصطلح أن تكون مؤسسات الدولة الشرعية المتمثلة في الشرطة والجيش هم من يملكون السلاح وأساليب الردع، وحماية الأفراد من الاعتداء، وعدم تدخل الدولة نهائيًا في المعاملات الحرة بين المواطنين.

أما بالنسبة للنقطة الثانية والثالثة وهي الحفاظ على التعاقدات وحماية الملكية، فهي من الوظائف الأساسية المنوط بها الدولة تجاه المواطنين عن طريق النظام العدلي والمحاكم وإنفاذ القانون، ووضعها عن طريق ممثليهم المنتخبين. وبالطبع يؤدي عدم تدخل الدولة ووقوفها على الحياد في المعاملات الاقتصادية يؤدي إلى الازدهار الاقتصادي ومرونة اقتصادية ومنافسة سوقية تعود بالنفع على المواطن وعلى الدولة.

ربما لا يقتنع كثيرون بهذه النظرية (نظرية دولة الحد الأدنى)، ربما عدم اقتناعهم يأتي من منطلق أن الدولة هي المنوطة بكل شيء وإحكام سيطرتها على كل شيء، أو ربما من منطلق أن الدولة يجب أن تكون مستفيدة حين تعود هذه الاستفادة على المواطنين، أو ربما لفهمهم لها بصورة خاطئة.

نظريًا دولة الحد الأدنى هي الضامن الأساسي لتوزيع عادل للثروات الطبيعية والاقتصادية، وللمنافسة سواء الاقتصادية منها أو السياسية، وللارتقاء بمستوى التنافس الاقتصادي والمجتمعي، وتأتي مشاركة الدولة في مراقبة وضع القوانين وتنفيذها وضمان عدم الإخلال بها مشاركة مع مؤسسات المجتمع المدني المختلفة سواء الحقوقية أو السياسية أو القانونية أو الثقافية أو الصحية.

فلذلك فرضت الضرائب وتحول المواطنون إلى (دافعي الضرائب) فهؤلاء هم من يرسمون السياسات العامة للدولة الاقتصادية منها والمجتمعية والثقافية وهم من يحددون النظام السياسي، هذه قوة (دافعي الضرائب). فدافعو الضرائب هم من يختارون ممثليهم المنتخبين لوضع السياسات التي تناسبهم وتأتي بالنفع عليهم، وهنا جاءت المقولة الشهيرة (لا ضرائب بدون تمثيل)، هذه هي القاعدة الذهبية في الدول الديمقراطية الناجحة لا ضرائب بدون تمثيل ومشاركة في الحكم وسياساته وقدرة على اقتراح ووضع القوانين. وإن لم يراعِ ممثل المواطنين المنتخب حقوق الذين انتخبوه سيأتون بغيره ليحقق لهم ما يريدون.

خلاصة هذا الكلام والسرد التاريخي والفلسفي لفكرة الدولة ودولة الحد الأدني ودافعي الضرائب، هي أن لكل الأطياف المجتمعية الموجودة داخل الدولة حق في رسم النظام السياسي العادل وتقرير سلطة الدولة والمشاركة في الحكم وتفعيل دور المجتمع المدني للرقابة على الدولة ومشاركتها في اتخاذ القرارات لكونها الأقرب إلى المواطنين وعلى دراية بما يحقق النفع لهم، ومن هذا التحليل نجد أننا نعيش في ظل استبداد سلطوي يتحول تدريجيًا وبخطى منتظمة إلى نظام شمولي ترعاه المصالح والأهواء وتهميش لدور المواطنين الذين يؤمنون بالمشاركة، ووجود تمثيل لهم حتى وإن كانوا أقلية.

هذا التهميش يؤدي إلى الأفكار المتطرفة التي ستصبح فيما بعد تدعو إلى زوال الدولة وإلى محاربتها، فالتهميش السياسي والفكري هو أخطر على الدولة من الحروب التي تخوضها، ولن تنتصر فيها الدولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد