لسانُ حال طفلٍ سُرِقت منهُ حياته، طفلٌ بدون جنسية في مجتمعٍ بدون إنسانية:

تسلل القلق إلى كينونتي، أجزعَ سكينتي وبدَّل أمري، لمَ لا أملُك مسببات أمري؟ ولمَ أخشى أن يكون غدي كغدِ يوسُف حين ألقي في البئر، من الجشعِ،. أو أن يمكر الذئاب ويبيدون ما بقي من الفرح، ولمَ لا يكف القوم عن الشكِ بهويتي، ونكران وجودي.

طغى من حولي وكبلوا أجنحتي، جعلوا ورقة واحدة سبيلا لعناني، وسببا لعنائي. أتساءل أحيانا: ما المعجزة في هذه الأوراق؟ لمَ يصعب على أبي امتلاكها؟ وتسهل على آباءِ غيري؟ أهناك قبلة شطرها؟ وتُرى هل يحق لي أن أطغى كغيري عند امتلاكها؟

سقطت، أسقطني نبيح أمي بين الفجر والهجود، تقول لأبي عند الجزع: هيت لك هيت لك لا تخف. إن القادر قَدَّر وكَتَب، إن هذا إلا عمل البشر، سيصليهم سقر.

سقطت، أسقطتني الوطنية في قعر المجتمع، دون فتحة هواء لأتنفس، ودون سلالم لأصعد، أجول في نظري صعودا ونزولا، تارة يمنى وأخرى يسرى، أبحث والتفت إلى أبي، يا أبتاه: لم لا ألعب وأتعب، حالي كحال سائرِ بني البشر؟

أمكتوب على شقاء إسرائيل وبنيه؟

أتساءل أحيانا عن أصحاب الكهف، أما جميعنا نسكن كهفا؟ أقلق، وأوبخ نفسي: ما هذا القلق؟

ربي، إني استنزفت عقلي، واستغرقت نفسي أين أولي وجهي؟ شطر عقلي أم الفلق؟ وهل بلغني شر ما خلق؟ أولم يؤمنوا بحتمية الدهر؟ أم لم يؤمنوا بعذاب من ظلم؟

سبحانك ربي، لقد بلغت من لدنهم عذرا، قطوفهم كانت مرة وصراطهم كان وعرا وما أنت بغافل عما بدر ربي، اصليهم سقر، وأعد الأمانة لمالكها، فالنفس لا تسع.

أحدثكم اليوم يا ساده عن فقدان الفضيلة، وعن ظلم وطغيان البشر، أتساءل أحيانا: ما ارتكبنا في دنيانا حتى نفقد الإحساس بالضعيف المختلف، أو هو شيء حدث لنا في مسيرتنا في سبيل وصولنا إلى الكمال، أم أن الإنسان خُلِقَ داكنا، والطغيان حتمي إذا وجدت الأسباب، وكيف ندعي الكمال وفضيلة الإنسانية غائبة.

بلغني أن طفلًا في الحادية عشرة من عمره من فئة غير محددي الجنسية في الكويت، شَرَعَ بالانتحارِ، كغيره مما سبقوه بالانتحار من نفس الفئة، لم يتحمل تكالب علية القوم، ولم يرغب بحياةٍ تحت رحمة تمارس بمزاجية عالية، وبمقاييس عنصرية وفقًا لهجائك للحروف وطريقة لباسك وتسلسلك الجيني.

سمعت الخبر، ولم أستطع استيعاب الحمل الثقيل الذي دفع طفلا بأن يتمنى الموت ويشرع له، ماذا رأى في الإحدى عشر عاما التي عاشها، وكيف «لبلد الإنسانية» أن تجور عليه وترخص بحياته؟

الطفل لم ينتحر، بل قتلوه قاتلهم الله، قتلوه باسم الهوية الوطنية التي تفتقر الى التعريف السياسي أو العلمي أو الاجتماعي، قتلوه باسم العنصرية التي تصبغت بها خطاباتهم عند الحديث عند «تجنيس المستحق» و«الحفاظ على الهوية الوطنية»، قتلوه باسم الحفاظ على ثورات البلد التي استحلوها ونهبوها.

لن أشرع بتحليل للظروف السياسية او الاجتماعية التي وضعت الكويت في قعر من اللامبالاة واللاإنسانية، كتابتي اليوم هي دعوة لمراجعة النفس ومراجعة أخلاقيات لاأخلاقية بمجتمعنا، أخلاقيات جعلتنا نسترخص روح طفل ولد بالكويت وعاش فيها ولم يملك من أمر حياته شيئًا، طفل لم يختر والديه أو أصله، طفل كان كل ذنبه أنه ولد دون ورقة «الجنسية».

مضحك هو أمر الجنسية والهوية الوطنية، ومدعاة للاستغراب، تعريفه بفم النخبة وأصحاب القرار السياسي فضفاض ومزاجي بمعنى الكلمة، لا يتوافق مع مبادئ إنسانية أو سياسية أو حتى فلسفية.

الأوطان وسيادة الأوطان بدأت بفكرة نبيلة، لتوحيد القبائل والعشائر المختلفة، لم تكن تستعمل لإقصاء المختلف وهدم كيانه، بل كانت أداة لبناء مجتمع مختلف، وسبيل للتعايش وحب الاختلاف.

لكن اليوم، تدعي الطبقة السياسية بأن حماية الوطن تـأتي عن طريق حرمان البدون من التعليم، ومنع إصدار وثائق رسمية تكفل لهم العمل والامتلاك بحرية، حتى شهادة ميلادهم ووفاتهم أصبحَ إصدارُها محرم.

لا تفزعوا من عجز الميزانية أكثر من فزعكم على حقوقٍ تُنْتَهَك، لا تهتموا لغلاء المعيشة وارتفاع أسعار العقارات أكثر من اهتمامكم بصرخاتِ أرواحٍ تُنتهك، لا تتغنوا بحب الوطن في أعياده وبينكم ألوف تبكي ضياع مستقبل أبنائها.

قيمة الشعوب يا سادتي تحدد بإنسانيتهم ومعاملتهم للضعيف.

سلوا أنفسكم ما هي هويتكم الوطنية؟ إذا كانت مستنقعًا من العنصرية واللاإنسانية تبرر سلب حقوق الضعيف وانتهاك روحه؛ فالكويت بريئة منها، ولا حاجة لنا فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد