انتهى مؤتمر الشباب الوطني وإن كان العديد منا لا يعلم أسس اختيار الحاضرين به، وبعيدًا عن مناقشة ذلك الأمر، أو التطرق لنقطة تهميش فئات معينة من الشباب نظرًا لكون ذلك الأمر أمر اعتياديًّا في الدولة المصرية وغيرها من الدول المشابهة، إلا أن هذا المؤتمر خطوة إيجابية شيئًا ما «شكلًا»، وبعض المناقشات التي جاءت به وهي «قلة» جعلته إيجابيًّا شيئًّا ما موضوعًا.

ولكن هذا ليس موضع حديثنا اليوم، فهناك العديد من التصريحات للرئيس السيسي تستحق الوقوف والتمعن بها، خاصة في ظل الحالة التي تخلقها تلك التصريحات من معارضة ساخرة، وتأييد بناء على عاطفة بحتة.

نفضل الوقوف بداية على التصريح الأكثر خطورة -من وجهة نظرنا- وهو قول سيادته: «وعدتوني هتقفوا جمبي، أنا دوري معاكم عملته، وقلتلكم المشكلة كبيرة من الأول، ومش هقدر عليها لوحدي، ولا الحكومة كمان، لكن نقدر عليها مع بعض.. والله العظيم يا مصريين سأحاجيكم أمام الله يوم القيامة».

و«المُحاجَّة» لمن لا يعرفها في أبسط تعريفاتها هي الغلبة بالحجج والبراهين، وهذا أمر مشروع إلى الآن، ولكن ما هو ليس بمشروع هو كون «المُحاجَّة» طرفاها خصمان، بينهما قضية خلافية يسعى كل طرف لطرح براهين وحجج تثبت وجهة نظره وتبرر أفعاله.

وعند السؤال لماذا استخدم الرئيس لفظ «المُحاجَّة» في الحديث إلى الشعب؟ نجد الرد في بداية حديثه بقوله «وعدتوني هتقفوا جمبي، أنا دوري معاكم عملته، وقلتلكم المشكلة كبيرة من الأول، ومش هقدر عليها لوحدي، ولا الحكومة كمان»، إذن الرئيس قرر «مُحاجَّة» المصريين نظرًا لكونهم لم يفوا بالوعد بالوقوف إلى جانب الرئيس.

والعبقرية التي تحملها «المُحاجَّة» في طياتها، وتجعلها وسطًا ما بين المحاورة والمجادلة، هي كونها متضمنة الحجج بخلاف المحاورة، ومفتقدة للشدة التي تأتي في المجادلة.

وإذا ما أردنا أن «نحاجي» الرئيس فسنقول من الحجج والبراهين الكثير التي تثبت أن الشعب ممن انتخبوا الرئيس لم يخلفوا بوعدهم بداية من طلب التفويض، ومرورًا بقناة السويس، وحملات «صبح على مصر»، وغيرها من حملات التبرعات للبلاد، ورفع الدعم تدريجيًّا، والارتفاع في الأسعار، وزيادة وتيرة انتهاكات حقوق الإنسان، وغيرها مما يعاني الشعب المصري، وإن أخفق الشعب في وعده فذلك يعود لعدم وجود رؤية واضحة تعبر عن إصلاحات وتحسين في الأوضاع في المرحلة القادمة، فكل يوم يمر تزداد الأوضاع سوءًا.

وبعيدًا عن عدم صحة وضع العلاقة ما بين الرئيس والشعب في موضع «المُحاجَّة» إلى جانب فقر الحجج من طرف الحكومة والنظام في «مُحاجَّة» الشعب، وإقامة الحجج والبراهين التي تثبت فاعلية الحكومة الحالية، إلا أن الرئيس أضاف «أمام الله يوم القيامة» وهي الأخطر في التصريح، فإن كان الرئيس يرى في الشعب خصمًا، ولديه من الحجج عن عمل الشعب ضده وعكس تطلعاته للنهوض بالبلاد، فتأتي مصارحة الشعب بكونه فعل كذا من أجل إصلاح كذا، وخطته في ذلك كذا والإخفاق جاء بناء على أخطاء من الشعب في كذا، وليس ترك الأمر لعالم آخر.

ربما أيضًا قول الرئيس «أمام الله يوم القيامة» يعود لعقيدة سابقة لدى الرئيس حول الشعب بعدم صلاحية الشعب لممارسة الديمقراطية، ومحاسبة الحكومات، ولعل هذا ما جاء في تصريح سابق لسيادته في مؤتمر تدشين رؤية 2030 في شهر فبراير الماضي، حيث قال: «لسه بدري أوي علشان تبتدوا الممارسات الديمقراطية بالمعنى المفتوح».

التصريح الثاني والأكثر تداولًا ما قاله الرئيس: «قعدت 10 سنين ثلاجتي لا يوجد بها سوى المياه فقط، ومحدش سمع صوتي، عشان أنا عندي عزة نفس»، وبعيدًا عما تلي تلك الجملة من سخرية إلا أنها تحمل في طياتها العديد من المعاني أقل ما يقال عنها إنها كارثية، لعل من أهمها مطالبة الشعب بالصمت تجاه سوء الأوضاع، والتعبير عن استمرار تلك الأوضاع السيئة في مرحلة قادمة بل وأسوأ، والأسوأ من ذلك ربط المعارضة والمطالبة بتحسين الأوضاع من الحكومة والرئيس بعزة النفس وكرامة المواطن، سيدي الرئيس كرامة المواطن كرامته كإنسان هي ما تدعوه للمطالبة بالأفضل.

استمرار لثقافة الأبوية والعلاقة ما بين الرئيس والشعب كالعلاقة ما بين الابن ووالده، كما يحدثنا الرئيس في كل خطاباته، ولكن الأمر اليوم مختلف، فحديث الرئيس بتلك الصيغة جاء في إطار الحديث عن الشباب المعتقلين وقانون التظاهر على غرار قوله: «مين عايز يأخد أولاده يحطهم في الاحتجاز؟!»، «لا بد أن تتأكدوا أن الأب الحقيقي يحب كل أبنائه»، وخطورة ثقافة الأبوية أنها تحاول ترسيخ نوع من العشم في العلاقة ما بين الرئيس والمرؤوس، الأمر الذي يضر نهاية بمصلحة الطرفين.

ولعل الجملة الأكثر مأساوية في ذلك الإطار مداعبته للشباب قائلًا: «بتحبوا التظاهر أوي كده»، ونقول أكثر مأساوية لكونها تحمل بداخلها سخرية من قدر التظاهر وخروج الشباب، مع احتمالية عدم العودة مرة أخرى سواء بالاعتقال أو بالموت.

كارثة أخرى حملتها التصريحات ولعلها تحمل ردًّا مباشرًا على كون هناك قطاع عريض من المعارضة والرفض لسياسات النظام الحالي، وعدم قدرته على التعامل مع الأزمات، وهي قول الرئيس: «أنا معني بتطوير البلد والتعليم، وعايز المصريين أحسن حاجة في الدنيا، بس أعمل كده إزاي».

….

بخلاف ذلك هناك من التصريحات العديد التي تعبر في مجملها عن خطاب يصور الشعب كمتهم مذنب في حق الوطن، والدولة تتحمل الكثير وتتحمل الشعب، وهذا ما يظهر في قول الرئيس الذي نشر على صفحته الرسمية على الفيس بوك «خلال العامين الماضيين حجم ضبط النفس من الدولة تجاه الشعب كان كبيرًا لتجنب حالة الاحتقان السائد»، ويكفي في الرد على ذلك قراءة التعليقات.

وختامًا نقول لسيادة الرئيس إذا ما أراد محاجتنا ما قاله الشاعر «بديع الزمان الهمذاني» من قبل في مطلع أحد قصائده بتصرف: «نحاجيكم وليس لكم بما حاجينا من قِبَلِ».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد