أصبحت أستشعر أن دولتنا العزيزة بأجهزتها المختلفة وإعلامها وبعض من شعبها المختار يعيشون على كوكب مختلف تمامًا عن ذلك الذي يعيش فيه العالم بأسره، فمنذ فترة ليست بالبعيدة وأنا أستيقظ صباحًا في يومي المعتاد متجهًا إلى عملي مصحوبًا بالأغاني الوطنية على موجات الراديو وكأنني أعيش حقبة الستينات والكفاح المسلح ناهيك عن تلك الحوارات السياسية التي أستمع إليها مجبرًا في عربات المترو من بعض الشخصيات التي يبدو عليها أنها لم تكن تدرك أن هناك شيئًا اسمه “سياسة” إلا بعد أن قامت ثورة يناير.

حتى بعد عودتي إلى المنزل واستقراري أمام شاشة التلفاز محاولًا أن أجد بين قنوات الإعلام المصري أحدًا يتحدث عن ذلك الذي قُـتلَ جَراء التعذيب في قسم الشرطة أو عن أولئك الأطفال الذين دهسهم القطار أو على الأقل يتحدث بموضوعية عن مشاكلنا الاقتصادية.

لكنني على العكس من ذلك أجد من يحاول أن يقنعني بأن مصر تحت حكم الخلفاء الراشدين ومن يصرخ فزعًا لأن هناك مؤامرة كونية تسعى إلى اختطاف دولتنا ونهب مقدراتها الثمينة، أو ذلك الذي يحاول حل مشاكل تلك الراقصة أو يحاور ملحدًا، وكأنه لم يعد هناك مساحة في هذا الوطن سوى لبعض المتحولين جنسيًا وبعض الملحدين وقليل من الشواذ وكثير من أولئك الذين يتبولون ليلًا في سراويلهم خوفًا من خطر التهديدات والتفجيرات التي غالبًا لا تصيب أحدًا.

والغريب في الأمر أن شعب الدولة المختار يصر على تصديق كل ما يقال له رغم أن لديه خبرة ليست بالقليلة مع أولئك الذين وعدوه بجهاز لعلاج الإيدز مثلًا أو مشروع المليون وحدة سكنية أو حفر القناة بالكامل في عام واحد… إلخ.

والغريب أيضًا أن هذه الفئة من البشر الذين فقدوا آدميتهم لا يتحرجون أن يسألوك عن موعد عودة الدوري العام بمجرد أن تذكر أمامهم شيئًا عن الشباب الذين قتلوا أمام إستاد الدفاع الجوي، وكأنهم يحاولون الإبقاء على أنفسهم داخل الدائرة التي لا ترى ولا تسمع سوى ما ترى الدولة أنه مناسب لهم، وإذا بادرتهم بتلك الأسئلة التي يعجز تفكيرهم عن الرد عنها نعتوك بالمغيب والمتخلف والعميل أو أنك لا سمح الله إخوان.

إذًا هي علاقة طردية بين الدولة التي ترى أن قمع الحريات وتغييب العقول هو السبيل لاستقرار سلطتها وبين تلك الفئة من الناس التي ترى في العبودية نظامًا عامًا، وترى في القبضة الحديدية التي تمسك برقبتها أنها السبيل إلى الأمن والأمان.

وهنا يظهر جليًا العلاقة الهزلية الوطيدة بين قطبي المجتمع المصري، وأقصد تحديدًا بين تلك القلة التي تملك السلطة والقوة والمال ويتكون فطورها غالبًا من الكرواسون والزبدة الفرنسية، وبين الأكثرية التي لا تمتلك شيئًا وتسعد كثيرًا بتحسين جودة الخبز المدعم وتصفق لأي شيء حتى وإن كان وهمًا. فتلك القلة التي تحكم تحتاج دائمًا إلى الوعي الغائب لدى الأكثرية السعيدة بغيبوبتها حتى تحافظ على استمراريتها في الحكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد