لفت نظري شكل منتشر من أشكال الاستدلال في كلامنا المعتاد. تحاور أحدهم محاولًا إقناعه بأن الأسرة المستقرة المتحابة تنتج شخصياتٍ سوية، فتطفو إلى السطح هذه الحجة المضادة: كان من سبقونا لا يلتزمون ما تؤكدون على أهميته وأخرجوا أجيالًا سوية، أو يقال: هناك من التزموا ذلك ولكن ابنهم فلان انحرف… إذن التربية غير مؤثرة!

تتكلم عن العلاقة بين التحرش، وبين مظهر الفتاة مثلًا: فتجد الإجابة بأنه لا علاقة، حيث إن جميع الفتيات يتعرضن للتحرش بغض النظر عن احتشامهن أو عدمه. يأتي ذكر العلاقة بين التدين، والأخلاق فتجد من يقول إنه لا علاقة، حيث إنه يعرف متدينين عديمي الضمير وذوي أخلاق سيئة، ويعرف ملحدين ذوي مواقف مشرفة وأخلاق عالية.

لا علاقة؟

دعونا نلجأ إلى علم الإحصاء والاحتمالات. ينص القانون على أنه يمكن أن نقول إنّ الحدث (أ) مستقل في حدوثه عن الحدث (ب) في حالة ما إذا كان احتمال وقوع الحدث (أ) بمعرفة أن الحدث (ب) تم بالفعل مساويًا لاحتمال حدوث (أ).

وهذا القانون يمكن صياغته بشكل آخر: يكون الحدث (أ) مستقلًا عن الحدث (ب)، إذا كان احتمال أن يحدث (أ) و(ب) معًا مساويًا لاحتمال حدوث (أ) مضروبًا في احتمال حدوث (ب).

على سبيل المثال، إذا قمنا بإلقاء زهرتي نرد، فإن الرقم الذي يظهر على الزهرة الأولى لا يؤثر في الرقم الذي يظهر على الزهرة الثانية، واحتمال ظهور أي رقم (في الحالة المثالية) يساوي 1 إلى 6، الحدثان مستقلان تمامًا عن بعضهما البعض. أما عندما نكتب الأرقام من 1 إلى 6 على 6 كرات، ثم نقوم بسحب كرة فإن احتمال أن يظهر أي من الأرقام = 1 إلى 6، بينما احتمال أن يظهر نفس الرقم مرة أخرى في عملية السحب التالية هو صفر، واحتمال أن يظهر أي من الأرقام الباقية لا يبقى 1 إلى 6، وإنما يصير 1 إلى 5.

الفرق بين ما يقوله القانون الدقيق وبين الأمثلة المتداولة التي ذكرنا بعضها في البداية هو كلمة «احتمال». كل من هذه الأمثلة اعتبر وجود حتى حالة واحدة تخالف القاعدة يكفي لإبطال قاعدة السببية، فتصبح التربية لا علاقة لها بتكوين الشخصية؛ لأن هناك من خالفوا ما تربّوا عليه، والمظهر لا علاقة له بحدوث التحرش لفتاة، والحرص على اتباع تعليمات الأمان لا علاقة له بحدوث الحوادث لقائد المركبة، والتدين لا علاقة له بالخلق، وهلم جرًا. ولا مانع من الإتيان بعبارة عميقة من نوع: «الحذر لا يمنع القدر»، و«فين أيام زمان لما كان الناس متحضرين»، بعد أي من هذه الاستنتاجات لإضفاء المزيد من الوجاهة والمقبولية عليها.

هذه الحجج لا تصلح لإبطال القضايا التي تعترضها إلا في حالة ما إذا كانت الصياغة تفيد الحصر. العامل الوحيد المؤثر هو كذا، لا يتعرض لهذه المشاكل إلا كذا. حينها يهدم الواقع المنافي للقاعدة الحصرية صحة هذه القاعدة. أما إذا كانت الصياغة لا تفيد الحصر، فنفيها يستلزم أن نقوم باستخدام أي من القانونين. مثلًا في حالة الخلق والدين: إذا ثبت أن احتمال أن يكون الإنسان خلوقًا ومتدينًا يساوي احتمال أن يكون الإنسان خلوقًا، أو إذا وجد أن نسبة الخلوقين في المتدينين = نسبة الخلوقين في غير المتدينين؛ تنتفي العلاقة بين التخلّق والتديّن. وهذه النسب يجب أن تأتي وفقًا لدراسة عينات معبرة في الوسط المراد الحصول على النتائج فيه، ووفقًا لمعايير واضحة. وكل هذا يبقى استقراءً ناقصًا وفقًا لعلم المنطق، لا يفيد اليقين. لكننا اعتدنا أن نتعامل باحترام زائد مع تلك التقارير «العلمية» المليئة بالأرقام والنسب المئوية، التي تقول إنه ثبت أن نسبة كذا من الرجال يفعلون كذا، بينما النسبة بين النساء مختلفة، مع إضافة حشو من المعتقدات المسبقة والاستنتاجات الغريبة التي أحيانًا ما تكون مغرضة.

إنّ الحقيقة التي يمكن أن تصل إليها الأساليب الإحصائية هي مجرّد رفع الواقع. أذكر أني قرأت دراسة من هذا النوع توصلت إلى أن تناول الخمور بكميات معتدلة مفيد للصحة، والصحيح أن المجتمع الذي أجريت فيه هذه الدراسة يرتبط فيه تناول الخمور «بكميات معتدلة» بوجود حياة اجتماعية وعلاقات صحية للإنسان، بينما المنعزلون يشربون الخمور بكميات خطرة، أو ربما يتعاطون شيئًا آخر غير الخمور. ومن نفس هذا الباب تنكشف لنا يوميًّا معلومات متناقضة عن فائدة الشيء وضرره الشديد، مثل الشاي والشكولاتة وغيرها.

من الممكن أيضًا أن يأتي رفع الواقع بنتائج مخالفة لما هو منطقي، إذا كانت المعايير المستخدمة خاطئة، عندها قد لا يوجد تمييز عند الباحث بين التدين والإيمان بالخرافة، بين الضمير وبين الخوف من المساءلة القانونية، وهذا قد يتسبب في تضاؤل دلالة البحث أو انعدامها.

لا أحد منا يمكن أن يعيش دون تكون انطباعات ومعتقدات حول نفسه، وحول المجتمع والوجود. فما الحل؟! ما هي الوسيلة لتكوين أفكار ومعتقدات أقرب للصواب وأبعد عن الوهم والالتباس؟

الحل اختصارًا هو الاعتماد على تجربة مستوفية للشروط، تثبت ترتب حدث على آخر بما لا يدع مجالًا للشك، أو برهان عقلي يصل المعلول بعلتّه، أو خبر مؤكَّد؛ صحيح المتن وثابت السند. وهو ما نجد شرحه وتفصيله في دراسة هامة تعلمنا كيف نعرف. دراسة المدرسة العقلية ضمن نظرية المعرفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد