لا شك في أن الدولة في عهد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أيقنت أن هناك إشكالية في العلاقة بين الإنسان والمكان، ولاسيما إذا كان هذا المكان أثرًا، أو عملًا فنيًّا له قيمته، فنراها من ناحية تستحدث أساليب عبقرية في العمارة تضاهي ما وصل إليه المجتمع العالمي من تطور في الفن والحداثة، فتشيد المدن الحديثة الراقية والشاهقة، وتوسع رقعة العمران، ومن ناحية أخرى تجد حلولًا ولا أروع لمعادلات رياضية أنثروبيولوچية لما هو قائم، تهدم القديم العشوائي وتبنى الحديث المنظم الراقي الآمن والصحي والحضاري البديل عن العشوائي، وتعيد ترميم الأثر ومحيطه لتعيد إليه الشخصية الأثرية والطابع الذي يشعرك بعبق تاريخه وأنفاس ماضيه وأصوات شخوصه وروائع حواديته وعبره، فهي تطور العتيق على قدر أهميته وما نراه في تطوير منطقة الأهرامات لا يصدقه عقل، وقصر البارون، ومناطق القاهرة الخديوية الواقعة بين ميدانى التحرير والأوبرا، مرورًا بميادين طلعت حرب ومصطفى كامل، بالإضافة إلى منطقة وقصر عابدين، وغيرها وإن كان حديثي منصبًّا على القاهرة قد لا ينتهي، كما لن ينتهي إذا تطرقنا لباقي محافظات الجمهورية، فهناك اكثر من أربعمائة مشروع ضخم تتم في تزامن متقارب على قدم وساق، هذا الاسترسال، يعيدني إلى صلب المرارة التي أستشعرها كلما مررت بميدان باب الشعرية ناظرًا إلى تمثال موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب للنحات العبقرى طارق الكومي، لا شك أن للتمثال روحًا وحياة لا ندركها، لا نعبده ولكن نستشعرها، تلهمنا، تذكرنا بالنهر الخالد، ووطني الأكبر، وحكيم عيون، وهذا العود الشجي بجواره ما زال يطرب وجدان كل عربي وغير عربي، تعرض التمثال لأزمتين، سقوطه وتهشم بعض أجزاءه في يناير (كانون الثاني) 2014 نتيجة سقوط عروق خشبية للدعاية الانتخابية لأحد المرشحين، وأزمة أخرى عندما أطل علينا بعد ترميمه في 2018 برأس ذهبية اللون وجسد بني، لم يتعرض تمثال لشخصية اعتبارية لمثل ما تعرض له تمثال محمد عبد الوهاب.

وأكاد أن أجزم أن اختيار المكان من البدء لهو جريمة تضاف إلى جرائم أيمن نور الذي تكلف قيمة التمثال وإهدائه إلى الحي كاتبًا على لوحة شرفه: «إهداء باسم الشعب الدكتور أيمن نور 2002»، من الواضح أن النية لم تكن خالصة للشعب، وأن الغاية التي تبرر الوسيلة (أي وسيلة)، حتى وإن كان رمزًا عظيمًا مثل عبد الوهاب، وكان من الأدعى وضع تمثال يخلد بائع العرقسوس المتجول، أو صانع الأواني النحاسية، أو تمثال للمرأة المصريه بنت البلد كما صورها محفوظ في الثلاثية، إنه الاختيار يا سادة بين صحيح ما يجب أن يكون وبين الأطماع الفردية، وربما لو كان بيننا اليوم محمد عبد الوهاب بشخصه لرفق بتمثاله، من ضوضاء الأسواق المتلاحمة، ومخلفات الباعة والمشترين وصخب السيارات، بل لطلب نقله إلى ممشى أهل مصر على النيل – طالما ما تغنى به وعشقه – أو أمام مجمع القاهرة ومسلة الكباش بميدان التحرير بعد تطويره، أو ربما بالعاصمة الإدارية الجديدة.

إن الوضع الراهن للتمثال يرثى له، لاسيما بعد التطوير وتوسعة المسلسل الذي يضم التمثال، إلا أن الوضع يسوء بشكل مستمر ويومي، فهذه طبيعة المكان وتفاعل الإنسان في هذه المنطقة، قد لا يعيرهم التمثال انتباهًا ولا اهتمامًا على الإطلاق، أما إذا فكر البعض بزيارة التمثال أو التقاط صوره للذكرى، فقد يكون الموضوع ضربًا من المخاطرة.

ومن جهة أخرى، لا أعتقد أن تماثيل مصطفى كامل وطلعت حرب أو إبراهيم باشا أو محمد فريد كانت في الأحياء التي ولدوا بها، فهي ليست عهدة الحي بقدر كونها ضمير الأمة، وأنني لو تمنيت أن تكون كل ميادين مصرنا الحبيبة جميلة مزدانة بالأعمال الفنية غير الدعائية الخالصة التي توافق الأثر لمقتضى المكان بطبيعته وشخصيته تلك الشخصية المصرية الطابع الأصيلة والمتأصلة في الوجدان النقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد