تشاجرت مع أحد زملائي وأثناء المشاجرة قال لي: «أنا أفهمك يا حسين، أنت عايز تبقى كبير علينا، عايز تبقى أنت الريس».

هزتني العبارة، حتى أني سكت حتى أستطيع التفكير فيها، انتهت المشاجرة كما بدأت على لا شيء، لكن عبارته ظلت محل تفكيري، هل صحيح أني أرغب في الزعامة؟

أنا لم أكن يومًا طالب سلطة أو زعامة، بل على العكس كنت دائمًا ما أسعى نحو الظل بعيدًا عن الأضواء حيث الهدوء وراحة البال، وزميلي يعلم ذلك جيدًا، لذلك لا أظنه يقصد المعنى الحرفي للجملة التي قالها، لكن ربما ما كان يقصده هو ما عبر عنه الكاتب الفرنسي (آلان دو بوتون) في أحد كتبه بأنه (قلق السعي إلى المكانة).

المكانة هي موقع المرء داخل المجتمع، ولكن بالمعنى الأوثق بحديثنا هنا تشير إلى قيمة المرء وأهميته في أعين الناس.

إن الدافع المهيمن وراء كل تصرفاتي (من وجهة نظر زميلي) هو أن أكون تحت أنظار الآخرين، وموضع عنايتهم، أن الاحظ بعين الرضا والاستحسان وأن أشعر أنني محط انشغال وعناية، حضوري ملاحظ، آرائي ينصت إليها وعيوبي تقابل بالتساهل وحاجاتي ملباة.

إن ذهابي للصلاة في الجامع على سبيل المثال ليس سببه وازعًا دينيًا، بل رغبة مني في أن يفتقدني القائد، ويحتاجني فلا يجدني، فأشعر بذلك بزهو أهميتي، وهو زهو زائف على حد تعبير زميلي، لأن تلك الأهمية ليست منبعها ذاتي، بل أصلها لأهمية المنصب الذي أشغله، فالمدير عندما يطلبني لا يطلب حسين بالاسم بل يطلب الشخص المسئول عن الحاجة التي يريدها.

وفي نفس السياق وعلى حد قول زميل آخر فإني منافق، أخفي خلف وجهي البريء وجهًا آخر لشيطان، ربما أكون مبالغًا فهو لم يقل ذلك بشكل صريح، لكن طريقة كلامه كانت توحي بهذا المعنى، وبالرجوع إلى المثال السابق فإنه يعتبر ذهابي للصلاة ليس سببه وازعًا دينيًا، بل نفاقًا اجتماعيًا ورغبة مني في كسب حب الناس.

أما زميلي الثالث فيقول في نفس السياق أني أسعى إلى التميز عن البقية، أن أصبح أفضل منهم، وإذا أخذنا نفس المثال فإن ذهابي إلى المسجد ليس سببه أيضًا وازعًا دينيًا بل رغبة مني في التميز عن الآخرين بأن أكون أنا الوحيد المصلي بينهم، أنا الوحيد المتدين بينهم.

ومع اختلاف وجهات نظر الثلاثة إلا إنهم أتفقوا على شيء واحد بخصوصي وهو ما أسماه آلان دو بوتون في كتابه بأني مصاب بقلق السعي إلى المكانة.

عندما يترجم كاتب تحبه كتابًا لكاتب آخر تحبه أيضًا، يكون فرحك بالكتاب وقتها مضاعف، ومن الطبيعي أن أتحمس لشرائه، وهذا ما حدث عندما عرفت أن (محمد عبد النبي) صاحب رواية (في غرفة العنكبوت) ترجم كتاب (آلان دو بوتون) صاحب (كيف يمكن لبروست أن يغير حياتك) و(عزاءات الفلسفة) وهي الكتب التي حفرت اسمها في قائمة أفضل الأعمال التي قرأتها في حياتي.

ولم يخيب (قلق السعي إلى المكانة) أملي وانبهرت به كثيرًا، واستحق أن يكون من أفضل الكتب التي قرأتها العام الماضي.

في هذا الكتاب يوضح آلان دو بوتون أن سعينا لأن نكون محبوبين ومقدرين يتفوق على سعينا لحيازة أي شيء آخر، بل إن كل ما نقوم به يهدف في حقيقته إلى تحسين مكانتنا بين الناس، ذلك أن موقعنا على درجات السلم الاجتماعي يلعب دورًا حاسمًا في حياتنا، لأن صورتنا الذاتية تعتمد بشدة على ما يراه الآخرون فينا.

أعاد الكاتب طرح سؤال كان قد طرحه آدم سميث من قبل وهو:

ما غاية كل كدح وسعي في هذا العالم؟ ما هدف الجشع والطموح وطلب السلطة والثروة والتفوق؟ أهو توفير ضرورات الحياة، كالأكل والشرب والملبس؟ في الحقيقة إن أجر عامل بسيط يمكنه أن يفي بهذا الغرض، ماذا قد تكون إذن مزايا ذلك المقصد العظيم للحياة الإنسانية والذي نسميه تحسين ظروفنا؟

وجد الكاتب أن الإجابة هي في أن نكون تحت أنظار الآخرين، وموضع عنايتهم، أن نلاحظ بعين الرضا والاستحسان، يعتز الرجل الثري بثرواته لأنه يشعر أنها تلفت نحوه انتباه العالم، وعلى النقيض يخجل الرجل من فقره لأنه يشعر أنه يضعه بعيدًا عن أنظار الناس.

ولو كان تقدير الناس يمكن كسبه بجمع أغطية زجاجات المياه الغازية لرأيت الكثير يتهافتون على جمعها.

يعد اهتمام الآخرين مهمًا لنا، لأن صورتنا الذاتية تعتمد بشدة على ما يراه الآخرون فينا، يمكن أن نتصور فكرتنا عن أنفسنا مثل بالون، ينتفخ بضخ هيليوم المحبة، ودائمًا فريسة سهلة لأصغر ثقوب الإهمال.

فقد يسود مزاجنا لأن زميلًا لنا ألقى التحية وهو شارد الذهن، أو لأن الطرف الآخر لم يرد على اتصالاتنا الهاتفية، كما أن لدينا القدرة على الاعتقاد بأن الحياة تستحق أن تعاش لأن شخصًا ما تذكر اسمنا أو أهدانا هدية.

إن إحساسنا بالهوية أسير في قبضة أحكام من نعيش بينهم، إذا أضحكتهم نكاتنا زادت ثقتنا في قدرتنا على الإضحاك، وإذا امتدحونا تولد فينا انطباع بكفاءتنا العالية، وإذا تحاشوا تلاقي نظرتنا عند دخولنا عليهم، أو بدا عليهم الضجر بصحبتنا فربما نسقط في فخ مشاعر فقدان الثقة في النفس وانعدام القيمة.

وبذلك يكون خوفنا من الفشل أقل وطأة في حالة إن لم نكن واعين بقسوة نظرة الآخرين للفشل، وطريقة تفسيرهم لفشلنا، إننا لا نخاف فقط من الفشل، بل نخاف أيضًا من أن يعتبرنا الناس فاشلين.

كما أن الرغبة في تحقيق تميز اجتماعي تستمد وقودها بدرجة كبيرة من ذعرنا من أن نكون عاديين، أو حتى من أن يعتبرنا الآخرون عاديين، فليس هنالك مصير مشين بقدر أن ينتهي المرء لأن يكون مثل (كل شخص آخر)، ذلك لأن (كل شخص آخر) هي فئة تضم ضعيف الموهبة، والتابع المقلد، والممل العادي، وبالتالي ينبغي على كل شخص سليم التفكير أن يميز نفسه عن بقية الحشد.

الاعتقاد الشائع هو أن ما يعتقده الآخرون بشأننا لا بد أن يحدد ما قد نعتقده بشأن أنفسنا، وبالتالي فإننا لا بد أن نشعر بالخزي لكل إساءة توجه لنا، سواءً كانت في محلها أم لم تكن، لكن الكاتب يدحض هذا الاعتقاد بذكره بعض آراء الفلاسفة الذين أضافوا عنصرًا وسيطًا بين رأي الناس فيك ورأيك الشخصي في نفسك، هذا العنصر هو العقل، فيجب أن تجمع كل الآراء حولك وتخضعها لتقييم العقل، والنظر فيها إذا ما كانت صحيحة أو غير ذلك، وبدلًا من أن نسمح لكل حالة إهمال أن تجرحنا، يدعونا الفلاسفة أولًا أن نمتحن مدى إنصاف سلوك الآخرين نحونا، فلا ينبغي أن نسمح لأي إدانة خارجية أن تحطم احترامنا لأنفسنا إلا إذا كانت صحيحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد