قد يكون البقاء في مكانك هو النجاة، وقد يكون هو موتك، أنت لا تعلم، أحيانًا عليك أن تتبع التعليمات وفقط، حتى لو لم تقرأ عنها، وتعرف مدى صحتها، أو زيفها. قد تسير في طريقك ومن ثم تجد لافتة كتب عليها احترس ممنوع الاقتراب، لا إراديًا تعرف أن ثمة خطر في هذه البقعة، تمكث في مكانك لوهلة ثم تغير طريقك، وقد تنصح الآخرين بأن ثمة حواجز ولا فتات منصوبة تحذر الناس من عبور هذه المنطقة، لقد شعرت حينها بالرضا والواجب، لفعل صغير قمت به، لكن وعلى الرغم من ذلك ثمة فئة من الناس لا تسمع لنصيحتك، ترغب في أن تشاهد اللافتة رؤي العين حتى تصدق، بل وفد تستمر أيضًا في التقدم، لا ترغب في أن تكون ثمة كلمات تجبرها على الوقوف والعودة، وهؤلاء قد نطلق عليهم المغامرون. فالبقاء في مكانهم يمثل لهم مرض شنيع، وحتى الاستماع لها هذه الكلمة يصبح مزعج ومقزز.

تستنجد السيدة بالفرقة land of mine، في الفيلم الدنماركي أرض الألغام، المسئولة عن الألغام، أن ينقذوا إليزابيث،  والتي عبرت منطقة الخطر، تخبرها السيدة أن تبقى حتى يأتي أحد الصبية ويخرجها من هذا المأزق، يأتي إرنست من بعيد، وهو عضو في الفرقة المسئولة عن إزالة كل الألغام، ولا يأبه بتعليمات قائده، وبالتحذيرات حتى يصل إلى الطفلة وينقذها، لا يعود إرنست ويستمر في المشي حتى ينفجر اللغم في جسده، قد مثل له الموت النجاة من أن يظل هكذا، يتذكر شقيقه الذي انفجر فيه اللغم هو الآخر. فقد كان تعريف البقاء شاقًا حينها.

المغزى وراء البقاء في مكانك؟

نحن نظل في مواقعنا، في العمل وفي الحياة، نسير في روتين، وهو البقاء في نفس المكان لفترات طويلة حتى نشعر بالملل، والبقاء يعني التأقلم على كل التفاصيل، فيصبح معه التغيير مرهق وعمل يعوزه جهد مضاعف، ونتعلل بأن بقاءنا له فائدة وهو ضرورة ملحة. لكن البقاء قد يكون لشيء جيد، فالجنود يتمركزن في مواقعهم إبان الحرب، يبقون لأيام في نفس المكان، وعليهم اتباع التعليمات، قد يكون البقاء حينها لتعطيل العدو، وقد يجلب النصر، وأيضًا قد نظل ننمق حديثنا، ونبتاع أغلى الثياب مهما كانت الظروف، فقط لتبقى صورتنا كما هي، لا نريد لها أي تغيير، إذ إننا نخاف من السؤال: ما الذي حدث؟ وهو الأمر الطبيعي للصورة الجديدة. وهذا هو المغزى الحقيقي الذي يسيطر علينا وهو الخوف، والرهبة والتخبط من أي تجربة جديدة، فيصبح وجودك كما يقولون «محلك سر»، وتكون في عطلة لا تعلم متى تنقضي؟ فالبقاء في النهاية يقودك إلى اليأس وفقدان الثقة، فيصبح معها أي شيء جديد ممل ومجهول، وتنقلب حينها المعايير، وتفضل أحيانًا الاستمتاع في هذه البقعة الضيقة من الحياة. هذه الصورة لخصها العجوز بروكس في الفيلم الأمريكي الشهير «الخلاص من شاوشانك» لقد بقى لعشرات السنين في السجن، وحين صدر الأمر بالإفراج عليه، وجد أن حياة الحرية، والتنقل واكتشاف الجديد جد ممل، حتى إنه فكر في قتل مدير المتجر الذي يعمل به، ليعود إلى السجن مرة أخرى، في النهاية انتحر بروكس، بسبب بسيط لم يتستطع التأقلم والبقاء في مكانه الجديد.

في النهاية.. نحن قد نبقى لأجل الآخرين، قد لا يتعلق الأمر بنا فقط، ثمة معطيات تفرض علينا في الحياة، قد نظل نتعلل، ونحلل الأسباب ليبدو أن ما قمنا به هو الصواب، وأيضًا قد نبقى بجانب المريض أو الرجل المسن لحاجته إلينا، هو لم يعد قادرًا على مساعدة نفسه كما كان في الماضي، نناوله الدواء أو العكاز، ونسير بجانبه خطوة خطوة حينها يصبح عملًا مستحسنًا. وعلى الرغم من ذلك ليس ثمة تفسير مطلق للبقاء أو البقاء في مكانك، إنه الحد الفاصل بين الموت والحياة، فحين نولد تسمى هذه الفترة البقاء وبغض النظر كيف عشنا هذه الأطوار، لايهم فهو بقاء بتعريفه البسيط وفقط وما بعدها هو موت.. موت أبدي.

انتبه

لا تبق في نفس المكان الذي قرأت فيه المقال السابق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات