(كيف لنا أن نفخر في كل مرّة بمعارك صمدنا فيها ثم انتهت بهزيمتنا!)

لن تقرأ في التاريخ أن معركة أُحد كانت مفخرة المعارك الإسلامية، وإلا فماذا سنسمي معركة بدر حينها! لقد ركَز القرآن على نقطة مهمة جدا ، وهي أن المسلمين تسائلوا عن سبب هزميتهم في معركة أُحد، فهاهنا نجد اعترافا بالهزيمة، ولكن علّته مفقودة بالنسبة للمؤمنين، والقرآن باعتباره كتاب سماوي فهو لا يُحابي أحدا على حساب أحد، فليس كون المسلمين أصحاب حق أنهم لن ينهزموا، ولا تعني أنهم هزموا أنهم لن يحاسبوا، فالقرآن كان لهم بالمرصاد!

(قلتم أُنا هذا؟ قل هو من عند أنفسكم) والمحاسبة هنا كان ثمنها مرتفع جدا، دماء كثيرة، بل دماء نخبة من صحابة رسول الله، حمزه ، ومصعب، وأنس، حنظله .. وعتاب قرآني صادم.

ورغم كل التضحيات والدماء إلا أن القرآن لم يؤجل الملامة لمن تسبب بالهزيمة، ولم تشفع الشجاعة والإقدام رغم كل ما لحق بالمسلمين من أذى أن يعلنها صراحة، أنتم السبب..وأنتم وحدكم!

وامتدادا للتاريخ الإسلامي خاصة، والبشري عامة لإنكار أن تكون (الأنا) البشرية هي سبب الهزائم، تترسخ فكرة أن الصمود بحد ذاته يعد عملا عظيما. فلا بأس أن تصمد وتهزم، على أن تنسحب لتقاتل من جديد . ولا بأس أن تموت وتهزم، على أن تغيّر مسار المعركة . ولا بأس أن تتمسك بأفكارك ومسلماتك ما دامت هي من ستجعل منك بطلا في الصمود. المهم هو الصمود وليس الانتصار.

أصحاب نظرية الصمود دائما ما يذكرونك ببداية المعركة، وكيف أنهم أعدوا جيدا، ودعوا الله، وتخندقوا خلف أفكارهم التي ستؤمّن لهم موتا مشرفا، ليدخلوا ضمن قائمة الصمود.

أما في منتصف المعركة فيشرحون لك تفاصيل دقيقة عن كيف قاتل فلان بحماسة وشجاعة منقطعة النظير، وكيف ناور علان بكل ذكاء لينال من أحدهم. سيُغرقونك في التفاصيل وستهولك حجم الشجاعة وكم التضحية والفداء، لكنهم في النهاية لن يقولوا لك ..أنهم هزموا … رغم صمودهم الشجاع!

فالهزيمة بمعيارهم هي أن لا تقاتل على طريقتهم، وأن لا تثبت على أفكارهم، وأن لا تموت على مبادئهم. إنها معركة ذو اتجاه واحد، لن تسمع فيها عن الانتصار، بل عن الصمود..تلك الكلمة التي تخفي ورائها معنى الهزيمة.

أصحاب نظرية الصمود يحبون أن يراهم الناس مثخنين في جراحهم مكلومين، ينادون الناس من بعيد ألا تروننا ننزف! ما بالكم تنظرون غير مبالين ؟ أين رجولتكم وأين مواقفكم ومبادئكم؟ إنهم لا يعلمون أن الناس لا تحترم إلا المنتصر، وأنهم لا يؤمنون بالصمود الذي يكلفهم الهزيمة، لذلك تجدهم يخاطبون الناس بلغة يكرهونها، لغة مختلفة عن لغة الفرح والانتصار التي يحبها الناس.

أصحاب نظرية الصمود عندما تخذلهم أفكارهم ينادون بقهر أنهم وحدهم من يفهمون، ووحدهم من يريدون الفوز في الآخرة، ووحدهم من يُضحّون ..أمّا بقية الناس فجبناء ليس لهم حظّ من الآخرة.

أما أصحاب نظرية الانتصار ..فيحبون وقع (إذا جاء نصر الله والفتح) على قلوبهم ..فهي التي تعبر عن الصمود الذي يؤدي للانتصار والفتح ، وذلك لا يأتي إلا بمعرفة فنون النصر ..من تفكير وتخطيط.

من يذوق طعم النصر يدرك أن الصمود وسيلة للنصر وليس غاية في حد ذاته ..فكم صمد الناس عبر التاريخ على القهر والظلم ..بحجج واهية كانوا فيها أذلاء لأعدائهم..بينما المنتصر يفرح ويغني ويسجله التاريخ تحت قامة المنتصرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد