ماذا يعني أن تكون عاجزًا بالضبط؟

العجز أن تكون غير قادر على الخروج من ذاتك لمحاولة فهم ما يحيطها. محاولة فهم الناس والفضاء والكون. العجز أن تكون محدود الخيال لا يمكن بأفكارك أن تخرج عن دائرة استهلاك المألوف مما تُوهَبه مجانًا من رصيد التَجربة العامة. العجز أن تكون غارقًا في ماديات الحياة دون حتى التساؤل عن مادية وجودك نفسه. معنى العجز الحقيقي نلمسه في إصرار من حرموا أبسط القدرات الإنسانية على مواجهة الحياة بكل شجاعة وثقة. وسيسجل التاريخ أن سيد علماء بداية القرن الحادي والعشرين كان مقعدًا لا قدرة له على الحراك.

رحل ستيفن هوكينغ، عالم الزمن والأبعاد. ووضع جسده الذي رحل قبله بكثير، بجانب مثوى إسحاق نيوتن أبي الفيزياء وملهم أعتى علمائها. أن يفقد جسدك القدرة على الحراك في عز شبابك، فترفض أن تكون له كلمة الفصل في مصيرك. أن تجد في شلل حركتك طاقة تحرّك فكرك فترفعك أستاذًا مقعدًا تشرح للمتحركين حركة الكواكب من حولهم، أن ترى إعجاب الطلاب بكلمات قالها عنك حاسوب، أن تسافر وأنت مقعد لا حركة لك كل يوم نحو عوالم لا ثبوت لوجودها سوى في تصورك العلمي، أن تخوض في أعظم مجالات عجز الإنسان وأكثرها تحديًا لانحصار قدرته في وسطه المادي.

تفاصيل رواية إنسانية لا قبل لنا بأن نتلمس كل معانيها التي عاشها سيد الثقوب السوداء. العجز الحقيقي هو عدم قدرة المرء على لمس العجز الفكري لبني البشر أمام عظمة الكون وتفاصيله. عجز هوكينغ الجسدي لم يمنعه عن بلوغه عجزه في فهم ماهية الأكوان في تفاصيل توازيها وفي تخيل الثقوب السوداء بما تحتويه من سحر كوني.

نعيش جلنا في معارك وهمية لا نترك بين وقائعها أماكن للأسئلة الجوهرية. وهذا صلب الموضوع الذي تزيد استعجالية تناوله أمام استباحة الكثيرين لحق محاسبة الخلق الذي لا يملكه سوى خالقها، وتصّدرهم لفيديوهات باتت وحدها وعدد مشاهديها تمنحهم شرعيتهم الفكرية العقيمة، لتوجيه الكيل من النقد لكل تَرحّم طال سيّد الثقوب السوداء بعد منيته، بدعوى أن غير الموحّد لا يستحق الترحم! وبقدر عظمة تجربة الرجل الإنسانية فإن بعض شيوخ القنوات الفضائية والإلكترونية باتوا يستحقون الرثاء لما هم فيه من فراغ إنساني وتجذر للجهل في النفوس.

هؤلاء يبنون تصورهم للحياة على أساس تراتبية دينية بين البشر تجعلهم تلقائيًا أرقى العباد، وهم بذلك يتطاولون على الذات الإلهية بالخوض في تقييم تقوى الناس الموكول لله وحده عند الحساب. النفاق الجاهلي الذي يغزو النفوس فيجعلها تفخر بتواجدها الإلكتروني وتلعن صناع فكر التقدم التكنولوجي، بل ويدفعها لوضع كل برهان علمي ثابت بالممارسة على الأقل لدائرة الإعجاز العلمي مع طرد أصحاب البراهين أنفسهم منها دون اعتبار لحكمة الله عز وجل في إيضاح الحقائق على أيديهم.

‏‎العلماء هم أكثر الساعين لمعرفة الخالق وهذا يجعلهم أنبل البشر وأكثرهم تطبيقًا لأمر «اقرأ»، أما الشق الصناعي لعلومهم فيتحمل مسؤوليته الأخلاقية أرباب الصناعة والتمويل لا أهل المعادلة والحساب. و يبقى أشد الجهل قذف الجاهل لإنسانية العالم ورفض الترحم على أمواتٍ أيًا كانت عقائدهم فالله وحده ملك الحساب. محمد صلى الله عليه وسلم كان آخر الرسل، وهذه أول مرة تعيش فيها البشرية مدة بهذا الطول تفصلها عن حامل رسالة سماوية وهذا بالضبط ما فتح الباب لتواجد شيوخ جهل يحاربون العلماء الذين هم وحدهم أنبياء ما بعد خاتم الانبياء. أنبياء في بحثهم عن الخالق من خلال عظمة خلقه. أنبياء في تجسيدهم لأمر القراءة الرباني في رسالات حياتهم العلمية. أنبياء فيما يأتون به من معادلات لا توصل لشيء غير حقيقة وجود الخالق وعظمة قدرته.

فشتان بين قيمة حياة بطلها سيد الثقوب السوداء رحمه الله بعلمه وأسكنه جناته بحسنات انتفاع البشرية به، وبين سادة السواد والثقوب، السواد في نصح الأمة ولعن الخلق والثقوب في منطق معظم ما يسردون مما لم يوصل الأمة إلا لتدين صوري لا يلمس القلوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دين, علوم, فيزياء
عرض التعليقات
تحميل المزيد