في أحد أحاديثه أعلن «ستيفن هوكينج» موت الفلسفة؛ حيث قال: «إن الأسئلة التي اهتمت بها الفلسفة، قد أعطت العلم الحديث أجوبة تجريبية، ولم يتمكن الفلاسفة مواكبة التطورات الحديثة،وخاصة في شأن الفيزياء»، واستطرد «هوكينج» قائلًا: «مسيرتنا العلمية؛ فالعلماء أصبحوا الآن يحملون شعلة الاكتشاف»، وعلى هذا الأساس يجادل «هوكينج» بأن الفلسفة، لم تعد مهمة في واقع العلوم الحديثة.

وموت الفلسفة في الحقيقة لا تعني نهاية الفلسفة، كما في ظاهر المقولة، بل تعني أن وظيفتها انتهت ولم تعد مهمة، وأن العلوم الحديثة المتمثلة بالفيزياء، والبيولوجيا، والرياضيات أخذت مكانة الفلسفة؛ حيث تُفسر الفيزياء نشأة الكون، والقوانين الطبيعية؛ وبالتالي يفسر علم البيولوجيا نشأة الإنسان، وعلاقته بالكائنات الأخرى؛ حيث تقدم الرياضيات الخطة الفكرية، والمنهج البحثي لتلك الحقائق؛ أي كيف نبحث الحقائق؟ وكيف نعرف الحقيقة؟ وبالتالي فإن مهمة الفلسفة التي كانت تحاول أن تفسر الحياة، والتطور، والقانون الطبيعي، لم تعد لها مكانة في العلوم الحديثة.

إن جدلية الفلسفة، والعلوم الحديثة لم تكن وليدة تلك الفترة، التي أعلن فيها «هوكينج» موت الفلسفة، بل إن الفلسفة بصورتها الميتافيزيقية، أعلن «هايدغر» موتها، وقد ضرب «دريدا» آخر مسمار في نعش الفلسفة الميتافيزيقية. غير أن «هوكينج» لم يفرق بين الميتافيزيقيا وبين الفلسفة عمومًا، واعتبرها مادة قديمة منها تفرعت العلوم، لكنها في الأخير توفيت بسبب كبر سنها، وعدم قدرتها على التجديد والمواكبة.

إن الفرق الرئيسي بين العلوم الحديثة، وبين الفلسفة؛ هي النزعة التجريبية، أو بشكل آخر اختلاف إبستيمولوجي؛ حيث ينفي العلم الحديث نظرية التأمل والتفلسف المحض، ومن المعروف في مسار تاريخ الفلسفة أن الميتافيزيقيا هي كانت الفلسفة بأكملها، وقد حاول الفلاسفة مرارًا الفصل بين الميتافيزيقيا وبين الفلسفة، وقد حاول الوضعيون عمومًا جعل الفلسفة علمًا خاضعًا للمنهج العلمي، وكما حاول «إدموند هوسرل»، لكنها بالفعل باتت بالفشل، ولم تكن الفلسفة يومًا علمًا مثل سائر العلوم الحديثة.

تقول «حنة آرنت» في هذا السياق «على الفلسفة أن تصير ملموسة وعملية، دون أن تنسى أصولها لحظة واحدة».

إن دعوة «حنة آرنت» بجعل الفلسفة فعلًا ملموسًا، لا يقل شبهًا بدعوة «هوسرل» إلى تحويل الفلسفة إلى مادة علمية، ومن بين هاتين الدعوتين يظهر إعلان «هوكينج» بموت الفلسفة، ولكن في الحقيقة يرفض الفلاسفة بشكل قاطع نهاية الفلسفة، وإعلان وفاتها، بل إن فيلسوفًا مثل «بول ريكور» يَعتبر أن الفلسفة ما زالت حية وتتجدد، ووظيفتها تتجدد حسب الظواهر الإنسانية، والفلسفة في نظر «ريكور» ليست أنساقًا مغلقة، أو سلوكيات مجردة، أو تأويلات نظرية لا صلة لها بالواقع الإنساني، أو معرفة علمية، أو عملية، منغلقة على نفسها، أو على الأيديولوجيات، بل إنها فكر حامل، لكل الآمال الإنسانية، ومنهج متفاعل مع كل الهموم الإنسانية.

وكما يذهب إليه صاحب كتاب أجمل قصة في تاريخ الفلسفة «لوك فيري»؛ فإن فشل المشاريع الكبيرة مثل القومية، والدينية، يجعل الفلسفة تعود إلى المشهد مرة أخرى، وبما أن مصير البشرية في حالة انحدار، تتولد الفلسفة اهتمامًا متزايدًا؛ وعلى هذا الأساس الإنساني، أو كما يقال الثورة الإنسانويّة الثانية، تجعل الفلسفة تنتعش من جديد.

كتبت الأكاديمية والفيلسوفة «سابرينا إي سميث» مقالة بعنوان «لِمَ الفلسفة مهمة جدًا في التعليم العلمي؟»؛ تشرح أهمية الفلسفة في البحث العلمي، حيث أشارت إلى أن معظم طلابها يظنون الفلسفة تخصصًا فوضويًا ومبهمًا، لكنها ترفض هذا التصور وتعتبر بأن الفلسفة تساهم في اكتشاف الحقائق، وتقديم البراهين، ونشر الحقائق الموضوعية، لكنها تعود ثانية لتطرح نفس الإشكالية التي طرحها «هوكينج» وتقول: «إن الكثيرين يعتقدون أن العلماء قادرون على الإجابة على الأسئلة الفلسفية، بينما الفلاسفة لا شأن لهم بالإجابة عن الأسئلة العلمية».

تطرح «سابرينا» أربعة أسباب تعول إلى عدم اعتبار الفلسفة مجالًا منفصلًا تمامًا، أو مجالًا أقل من مجال العلوم.

السبب الأول؛ حسب «سابرينا» هو قلة الوعي التاريخي؛ لأن طلابها يميلون إلى التفكير بأن التقسيمات الصارمة في التخصصات، تعكس انقسامات حادة في العالم الحقيقي؛ وبالتالي لا يمكنهم تقدير كل من الفلسفة والعلم.

والسبب الثاني؛ يتعلق في النتائج الملموسة لكل من العلم والفلسفة، فالعلم يحل كل مشاكل العالم الحقيقي، والفلسفة ليست كذلك.

أما السبب الثالث؛ يتعلق في الاهتمام بالحقيقة، والموضوعية، والتحيز، فالعلم موضوعي، والفلسفة مليئة بالتحيز غير الموضوعي.

والسبب الرابع والأخير؛ يتعلق في الفكرة التي كونوها حول التعليم العلمي، أي أن الانطباع السائد حول العلم، وتشيّؤ الموجودات، وطريق غرس الحقائق والفرضيات؛ يجعل الطلاب لا يقبلون إعادة النظر في الموجودات والحقائق؛ لأن الحقائق حقائق، هذا النوع من التفكير العلمي الصارم، لا يعتبر الفلسفة شيئًا مهمًا.

تختم «سابرينا» مقالها، كما نختم نحن مقالتنا باقتراحها الجميل، والذي يرى أن على العلماء الاستمرار في تدريس أساسيات العلم، ويكون عبر إيضاح أن العلم يفيض بالكثير من المفاهيم الهامة، والتفسيرية، والمنهجية، والمسائل الأخلاقية، والتي من شأن الفلسفة التمكن من معالجتها؛ وهذا يستبعد الفكرة التي تزعم أن الفلسفة غير مرتبة العلم، أو كما زعم العالم الفيزيائي الكبير «ستيفن هوكينج» موت الفلسفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد