أثار موت عالم الفيزياء ستيفن هوكنج صراعًا عن مآله بعد الموت: هل هو إلى الجنة أم إلى النار؟ واستند كل فريق من المتصارعين إلى أدلة تدعم آراءهم، فقسم يرى وجوب دخوله النار لإلحاده، وعدم إيمانه بوجود إله. وقسم يرى أنه لم تصله الدعوة الخاتمة جلية واضحة، فهو معذور بجهله، وقسم يرى أن علومه التي قدمها للبشرية كافة لإدخاله الجنة، بغض النظر عن صحة أو فساد معتقده.

والأمر عندي محسوم في دخوله النار مع الداخلين، وربما كان في عرض الأسباب ما يفسر ويجلي هذا الحسم.

فأول الأمر أن نصوص الوحي قد بينت أن الإيمان بالله ودينه شرط لدخول الجنة؛ حيث يقول تعالى في سورة آل عمران: ومن يبتغي غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. وﻻ يتصور عقلًا أن يكون الخسران في الآخرة بأمر غير الحرمان من دخول الجنة، وبالتالي الخلود في النار، ثم إن الجنة هي جزاء الله – عز وجل – للمؤمنين المطيعين لأوامره، وهو ما يستلزم ابتداءً اﻻعتراف بوجوده – عز وجل – وهو ما نفاه ستيفن هوكنج بشكل جازم في كتابه: (التصميم العظيم)، حيث أعلن أن قوانين وثوابت الفيزياء التي نعهدها قادرة على إيجاد وتشكيل الكون، ومن ثم فلا حاجة للقول بوجود الإله! مبدلًا بذلك رأيه الأول الذي أورده في كتابه: (تاريخ موجز للزمن) بأن الأحداث التي صاحبت وأعقبت اﻻنفجار الكوني الأعظم هي خرق لقوانين وثوابت الفيزياء؛ مما احتاج إلى تدخل إلهي.

ثم يأتي فريق آخر يقول بأن الآية السابقة تنطبق على من وصلته الدعوة الإسلامية بشكل صريح صحيح ﻻ لبس فيه، ولا تدليس، وهو ما لم يحدث مع ستيقن هوكنج؛ حيث لم يبلغه أحد برسالة الله الخاتمة، ولم يسمع عنها شيئًا، ولم تعرض عليه عرضًا صريحًا صحيحًا بما يقيم عليه الحجة، وينفي عنه الجهالة، فهو معذور بجهله. والرد على ذلك أن هذا أمر احتمالي؛ فقد يكون قد عرض عليه الدين الخاتم من خلال من قابل وعرف، أو من خلال المواقع التي تدعو للإسلام وتشرحه، وقد ﻻ يكون قد وقع ذلك! إلا أن الأكيد أن جزمه بعدم وجود إله هو نتاج نظر عقلي قاده إلى هذه النتيجة الشاذة، فالعقل الإنساني والتفكير السليم الخالي من التحيزات ﻻ يهدي إلا إلى وجود خالق لهذا الكون.

فستيفن هوكنج في منهجه قد تتبع الأسباب العلمية المادية لوضع تفسير لنشأة الكون من العدم، وصوﻻً إلى ما فيه من تركيب وتعقيد وانتظام مذهل، وهو ما قاده إلى وضع نظريات فيزيائية، وصيغ رياضية، تشرح الأمر، وتفسره، وبدﻻً عن أن يستدل بوجود إله خلق هذه القوانين، ومنحها فعالية العمل، نكص على عقبيه، وعبد القوانين، واعتبر الوصول إلى صيغها الرياضية إعلانًا بموت الإله؛ ليخلط بذلك بين الإله كسبب أول موجد لكل شيء، وبين قوانين الطبيعة كآلية ضبط من خلق الله الذي خلق كل شيء.

فقانون كقانون الجاذبية الذي يفسر قوى الجذب في الأجرام، ليس إلا صيغة رياضية تشرح آلية محددة في ظروف معينة، أما فعالية هذا القانون فهي من السبب الأول، وهو الله الذي خلق الأجرام وأودع فيها آلية التجاذب.

ويحتج فريق ثالث بأن إسهامات الرجل العلمية التي أفادت العالم كافة من وجهة نظرهم لإدخاله الجنة، فهل يُعقل أن يلقى بالرجل في النار بعدما أفنى عمره في خدمة البشرية؟ والرد على ذلك بسيط؛ فالرجل قد أفنى عمره في خدمة البشرية، فلتكافئه البشرية إذًا! وهو ما حدث فعلًا، فنال الرجل ما نال من شهرة، واحتفاء، ثم تأبين، أما الجنة، فقد بين الله شروطها، وليس منها الكفر به، حتى وإن عظمت إنجازات الكافر في دنيا الناس، ففي النهاية لم يقدم هوكنج للبشرية بعضًا مما قدمه أبو طالب عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي حمي النبي ودعوته، التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور من بطش قريش وتنكيلها، إلا أن الله قد حكم بخلوده في النار جزاء كفره، ولم تنفعه شفاعة الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلا في جعله أخف أهل النار عذابًا؛ وذلك لما رواه مسلم عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو ينتعل بنعلين يغلي منهما دماغه، ولما رواه مسلم وغيره عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فكما آمن هوكنج بعقله ونتاج فكره نؤمن نحن بقوانين ربنا – عز وجل – القائل في محكم كتابه: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

God, Hawking, Hsven, Stephen, أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد