العقل هو أداة التفكير الذي ينتج عنه القرار، والإنسان هو ليس إلا قرارًا، فهو من يقرر ردة فعله لأي موقف قد يواجه، وهذه الأداة أي العقل تتكون بأساسها من المبادئ التي يكونها هذا الإنسان خلال رحلته في هذه الحياة، وهذه المبادئ هي صنيعةُ تربيةٍ ومجتمعٍ ومدرسة.

وهنا تكمن المشكلة فما هذه التربية التي قد تنتج عقلًا يكفر ويستثني ويستبعد الآخر يحكم على الآخر؟ وما شكل هذا المجتمع الذي يخرج لنا عقلًا كهذا؟ أما المدرسة فالذي قيل فيها والذي تعرفونه عنها كفاية ولا داعي لأن أقول بها رأيي.

مات ستيفن هوكنج وقد أنجز في حياته الكثير وقد علم خلال مسيرته العلمية والتربوية الكثير من الناس، كتبه ونظرياته قربتنا لفهم هذا الكون الذي أمرنا الله عز وجل بالسير فيه والتفكر فيه، وقد أمضى جل حياته في خدمة العلم ونظرياته وأبحاثه التي كانت أساسًا للكثير من العلوم التي ساعدتنا في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين في تسهيل حياتنا وخلق جنة على هذه الأرض، ويأتي شخص لم يقدم لهذه البشرية غير التكفير واستبعاد الآخر ويقول مات هذا الملحد وسيصلى نارًا ذات لهب وسيعرف الآن أن الله حق ويستعمل منصات التواصل الاجتماعي التي خلقها (الكفار) للبشرية جمعاء ليقول ما يقول ولا أريد أن أذكر الحاسوب الشخصي الذي يملكه هذا الشخص والهاتف النقال أيضًا.

هنا تكمن مشكلة تركيب العقل العربي الإسلامي. فقد بني هذا العقل على ميزان الحلال والحرام وليس على ميزان آخر فعندما يخترع شخصٌ ما الغسالة الأوتوماتيكية مثلًا لا يسأل هذا العقل كيف صنعت وإن كان من الممكن تطويرها بل يسأل هل هي حرام أم حلال ولذلك يكون من الضروري أن يأتي شيخ ويفتي بأنها حلال يخالطها حرام، والحرام هنا أنه لا يجب الجمع بين ثياب المرأة وثياب الرجل في غسلة واحدة ويجب أن تنظف الغسالة قبل وضع ثياب الرجل وغسلها إذا استعملت قبل ذلك لغسل ثياب المرأة، الرجاء البحث في اليوتيوب الذي صنعه الكفار عن هذه الفتوى لأنها فتوى حقيقية.

العقل العربي الإسلامي لا يقبل بأي نوع من أنواع العلم إلا علم القرآن والحديث لذلك ترى الشيوخ يقولون حتى في علوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك وكروية الأرض أو بسطها فترى شيخًا ينسف كل العلوم التطبيقية وعلوم الفلك والرياضيات ويضرب بكل العلماء وكتبهم وأبحاثهم عرض الحائط يقول إن الأرض ليست كروية لأنه لا يمكن أن تكون كروية وينجح الإنسان في السفر في الجو عندما تسير الطائرة باتجاه دوران الأرض لأن الأرض ستدور والطائرة ستطير ولن تبلغ وجهتها لأنه قرأ آية في القرآن وفسرها على هواه على أن الأرض منبسطة واعتبر نفسه راسخًا في العلم وأن الله تعالى يقول (لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) لأنه لا يوجد في عقله علم غير علم القرآن والحديث.

يقوم العقل العربي الإسلامي على مبدأ التقديس. فمثلًا تكون خطبة الجمعة كاملةً عن شخص قام بنقد بعض فتاوى أبي حنيفة. وأدعو الله أن لا أحد مكان هذا الشخص الذي انتقد لأنه وقع بلسان الخطيب، – وهنا سامحوني إذا فقدت اللغة العربية وتحدثت بالعامية قليلًا – (شل عرضو للرجل، مسح الأرض فيه، جعله مضحكة ومسخرة للمصلين)، وأنا جالس. ولا أدري ما أستطيع أن أفعل أو أقول، فالخطيب هو صاحب المنبر وأي شخص قد يخالفه ممكن وبكل بساطة أن يكفر ويقام عليه الحد في التو واللحظة، لأنه خطيب! مقدس! والذي يقوله أيضًا مقدس فهو على المنبر والذي يتحدث عنه أيضًا مقدس، أبو حنيفة بالنسبة له مقدس، لا يمكن أن يخطئ ولا يحق لأي شخص أن ينتقده، أو أن ينتقد فتاواه، حتى لو تغيرت وتطورت علوم الإفتاء وتغير الزمان وتغير المكان يبقى أبو حنيفة مقدسًا، وحتى لو بدلت الأرض غير الأرض، يبقى أبو حنيفة مقدسًا كما البخاري ومسلم، لا يمكن انتقادهم أو القول في علمهم. لأن العقل العربي الإسلامي لا يحب العمل ولا يحب أن يجهد نفسه بالتفكير.

إن العقل العربي الإسلامي قائم على التطرف، وهو يشترك في هذا مع أغلبية أهل الأرض.

فيأتي شخص ويقول في محاربة الكفار، وتسأله لماذا؟ يقول لك قال فلان وقال فلان. فهو اتخذ قراره وانساق وراء أحدهم إما أقصى اليسار أو أقصى اليمين فلا ضرورة للتفكير في كل موقف أو في كل فكرة تطرح لذلك ترى الشيوعيين العرب ضد الإسلام علمًا بأن النظام الشيوعي لا دخل في الأديان له لأنه قرأ مقولة (الدين أفيون الشعوب) وقرر بما أنه قد أصبح شيوعيًا فإن الدين شيء لا يعول عليه فلا ضرورة عنده أن يفكر ويستنبط ويوفق بين هذا النظام الاقتصادي والدين، فأخذ الشيوعية كما هي وآمن بكل تفاصيلها وجلس مرتاحًا على حجر وبالمقابل ترى الشيوعية الصينية هي مزيجًا بين الاشتراكية والرأسمالية وهذا المزيج أتى به عقلاء الصين لكي يأخذوا أفضل ما في هذين النظامين لمصلحة الدولة والشعب.

إن التقليد هو أحد أهم عوامل هذا العقل. وهذا أيضًا يشترك فيه العقل العربي والإسلامي مع أغلبية أهل هذا الكوكب الوحيد.

فيبزغ أنبياء كذابون بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم أحسوا أنهم قد يستطيعون أن يركبوا موجة هذا الدين الجديد الصاعد، وهؤلاء طبعًا كانوا من المغفلين، لأنهم لم يخططوا بشكل جيد ولم يفهموا العقل العربي الإسلامي بشكل جيد وظنوا أن هذا الدين من عند محمد وأنهم يمكنهم أن يقلدوه، أما الذين أتوا من بعدهم واقتنعوا أنه من المستحيل أن يستطيعوا أن يسوقوا أنفسهم على أنهم أنبياء فجاءوا بفكرة ذكية وهي أن يركبوا موجة هذا الدين الصاعد على أنهم شيوخ وعلماء دين لذلك لا نرى في تاريخنا الإسلامي علماء دين إلا بعد مائة عام من الهجرة النبوية، وهنا صنعوا لنا أوثانًا وصنعوا لنا منبرًا لا يمكن مخالفته فهم أولياء الله وهم لسان الله ويده ولهم القدرة على طرح الأحكام أكثر حتى من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان لا يستطيع أن يقول إن هذا منافق وهذا غير منافق.

كل الذي سلف هو تقديم لما أريد أن أقوله للسيد هوكنج.

أعلم أنك قد أعلنت إلحادك وأنك غير مؤمن بوجود الإله وهو ربي، ولكنني أدعو ربي أن يدخلك فسيح جناته وأشكرك جزيل الشكر على ما قدمته لنا نحن البشرية من علوم نفعتنا وستنفعنا في المستقبل وسيبنى عليها علوم جديد والتي أيضًا ستنفعنا وتنفع البشرية، ولو أنني استطعت أن أزفك في جنازتك لما ترددت.

وأنهي قولي بمقولة زرادشت:

العقل منتهى التشريع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد