الصورة النمطية أو القالب، مفهوم ينتمي إلى علم النفس الاجتماعي، وليبمان (Lippman) أول من أدخل هذا المفهوم إلى علم النفس بمسمى (stereotype)، وقد اشتق من عالم الطباعة حيث يشير إلى القالب الذي يعد للطباعة ويصعب تغييره بعد ذلك.

وتتشكل تلك الصور نتيجة لما نحصل عليه من السياق الاجتماعي، كالأسر والمدرسة ووسائل الإعلام، بالإضافة لملاحظاتنا الخاصة، حيث يتم ذلك بطريقة تتسم بالتبسيط والتعميم؛ نتيجة لمحدودية العقل البشري، فيميل إلى تبسيط الأمور وتصنيفها؛ لأن متغيرات الحياة وتعقيداتها غير محدودة. كما أن الإنسان يستسهل إطلاق الأحكام بعد المرور بعدد قليل من التجارب، لذلك غالبًا ما تكون هذه الصور غير مكتملة أو مشوهة عن الواقع.

والصور النمطية متجذرة في الوعي الجمعي، تزداد مشروعيتها في المجتمعات ذات الثقافة المتدنية وكأنها حقائق ومسلمات، فتصبح قوالب جامدة تقاوم التغيير، وعلى الرغم من أننا نمتلك بعض الصور النمطية الإيجابية، إلا أن الصور السلبية هي الأكثر شيوعًا، والإنسان يعاني من إشكالات تلك الصور، سواء كانت سلبية أم إيجابية، فوضع المعلومات التي تصلنا عن الآخر – بغض النظر عن مصداقيتها أو حسن إدراكها – في صورة نمطية حددها الوعي الجمعي، هو أحد مظاهر الظلم في هذا العالم.

يلعب الإعلام الدور الرئيس في نشوء الصور النمطية في المجتمعات، لتخدم الأهداف السياسية والاقتصادية، والأمثلة هنا لاحصر لها، كالصورة النمطية عن الإنسان العربي أو المسلم أو الهندي… فقد استخدمت تلك الصور لزعزة ثقة هذه الشعوب بنفسها وهدم قيمها، وتبريرًا للوصاية عليها واستعمارها، وتأتي الأمثال الشعبية والنكات كأبسط مثال، حيث لعبت ولا تزال دورًا في رسم و تعزيز العديد من الصورة النمطية.

كما تتأثر التربية كثيرًا بالصور النمطية والقوالب المتشكلة في الوعي الجمعي، وتساهم أيضًا في بقائها وتوارثها، فالطفل يعيش على التصنيف الذي حصل عليه من الأهل، ويتصرف على أساسه ولا يتخطاه، مثلًا: غالبية الأهل يمتدحون أو يذمون الطفل، بدلًا عن الفعل، فيضعون الطفل في قالب الفاشل والمشاغب أو في قالب المطيع المتفوق، تصنيف حاد ينتهي بالاستسلام ورفض التغيير.

فيُحبس الطفل – في الحالة الأولى – ضمن تصنيف الفاشل، ولا يعتقد أنه يستطيع الخروج منه، بل يصبح لا يرى في نفسه إلا الفشل، وإن حاول الخروج من هذا القالب ستبقى آثاره متشكلة في نفسه تتحكم بردود أفعاله، بينما يسعى الطفل – الحاصل على تصنيف المطيع المتفوق – جاهدًا لتجنب التحديات، فيفقد التفكير الإبداعي، ويصاب بالجمود الفكري، فيما يعرف بالعقلية الثابتة التي تسعى لإلغاء من حولها وتتألم من تفوق أحد عليها.

وبالإضافة للإعلام، فإن التجارب الشخصية للمربي تتدخل في تلقين الصور النمطية للطفل مثلًا: (أناس معينون أشرار. المتزوجون غير سعداء. البلد الفلاني سكانه رائعون. التعامل مع هذا الشخص صعب)، وفي الحقيقة، إن هذا النوع من المعارف يضر الطفل أكثر مما ينفعه؛ حيث يتركه للعيش مع نتائج تجارب والديه، وليس مع تجاربه، ويتسبب له بمشاكل على صعيد العلاقات والتواصل، في حين كان من الأفضل أن يُربى الطفل على المبادئ والأخلاق، ويُترك ليكتشف طبائع الأفراد بمفرده، ويعامل كل شخص حسب طبعه وسلوكه.

أيضًا في مجتمع لا يقرُّ باختلاف الحقوق والأدوار لدى الجنسين، ولكنه يعطي الأحقية للذكر على حساب الأنثى، يأتي الذكر إلى هذه الحياة ليجد نفسه في قالب متوارث من آلاف السنين، يعبر عن تفوق الذكور وأحقيتهم في كل شيء، ويكبر وهو مُرحبٌ به، ولامانع أن تكون أقصى إنجازاته أنه ذكر، بينما تُولد الأنثى لتجد نفسها في قالب من عدم التقبل أو الدونية عن الذكر، وتعيش حياتها ممتنة لمن يقدر جهودها ويتقبل سعيها الحثيث من البداية حتى الممات.

نحن لا نعاني فقط من إشكالات تلك الصور النمطية، وإنما نعاني أيضًا من الاستغلال لتجذر هذه الصور في الوعي الجمعي، إما لتغطية نقص شخصي، أو السيطرة على الآخر، أو تهديده والانتقام منه.

فعندما يستطيع شخص أن يرسم لنفسه صورة نمطية يحبها الناس، سيكتسب عندها كل قوته من تلك الصورة، وعندما ينجح في وضع أحدهم ضمن قالب معين، فإن الضحية سيجد من الآخرين ردود أفعال وتفسيرات لتصرفاته ناتجة عن تصوراتهم للصورة النمطية التي في أذهانهم ليس إلا، وفي الحالتين تكون الانتقائية من أهم العوامل في ترسيخ الصورة عن الآخر، بمعنى أننا ننتقي ونفسر الأحداث التي تدعم الصورة المتكونة عن الآخر وبطريقة لا واعية في الغالب.

فأحمد يرى أن خروجه للعمل كاف لأسرته، وأن هذا دوره فقط، لأن هذه هي الصورة النمطية للأب في مجتمع يقول له (كتر الله خيرك، الظروف صعبة) فلا يجد أي مانع من إلقاء كامل المسؤولية على الأم وهو مرتاح الضمير، حتى وإن كان بمقدوره القيام بأكثر من دوره، وهو يرى تعب زوجته وكفاحها أمرًا اعتياديًا، لأن هذه أيضًا هي الصورة النمطية للأم، إنسانة تفني نفسها لزوجها وأبنائها، فيرى أحمد أن كل مجهود منه في تربية أبنائه هو تفضل ناتج عن حسن أخلاقه.

وهذه منال لتبرر سوء خلقها وعدم قدرتها على التعامل مع المشاكل، أو حتى عدم صبرها على المسؤولية، بات كل ما يهمها هو رسم صورة سيئة لزوجها، ووضعه في قالب يرفضه الناس؛ ليرتاح ضميرها بسماع كلام المؤازرة والاستعطاف من حولها.

أما ريهام فتستغل قالب المرأة المظلومة وترفع لافتة (لا للمجتمع الذكوري)؛ لتحصل على تأييد كل النساء، ومشكلتها لا تتعدى العنجهية والتكبر.

وعندما امتعض خالد من زميله في العمل، قرر أن يشوه سمعته بحصره في صورة نمطية سيئة أمام الجميع ليبقى الضحية أسيرًا لها.

وبعد أن وصل أبو فايز للصورة النمطية للمتدين، فإن أموالًا يعطيها للمحتاجين – من فتات ربحه – تريح ضميره عن غشه في تجارته، والذي لم يعد يعتبره إلا توفيقًا.

ويستغل سمير الصورة النمطية للمطلقة أو المرأة المظلومة التي تعوَّد المجتمع على رواياتها وشكاياتها،  فيهدد زوجته بالطلاق، وهو المقصر في كل شيء، ولا يهمه إن ضربها أو أمعن في ظلمها، في مجتمع تعود على هذه الصورة النمطية للنساء، وتبقى زوجته في حالة كفاح وتقبل مستمر؛ كي لا تصل إلى الصورة النمطية للمرأة المطلقة، أو تنفجر ولا تتحمل، فيرى المجتمع أحقية سمير بزوجة أفضل منها.

وهذه أم عمر تتعامل مع ابنها بطريقة خاطئة، فتكون ردة فعل ابنها بأن يعاندها ويستفزها، فتقرر أن تضع ولدها في قالب (العنيد وسيئ التصرف)، وتقول (هذا طبعه، وهذه ردة فعلي التي لا أستطيع السيطرة عليها)، في حين أن العكس هو الصحيح.

في الوقت الذي يكدح فيه أبو غياث لتأمين أساسيات الحياة، تجد أم غياث زوجها مقصرًا أمام الصورة النمطية للحياة الفارهة، فلا تمل من الشكوى ليل نهار.

بينما تعيش أم وائل حياة مثالية مع زوجها وأبنائها، صنعتها في صور أمام الناس، لتشعر بالرضى وبقدرها أمام مجتمعها، على حسابها وحساب أسرتها وخسارتها للمتعة الحقيقية والحياة الواقعية، فأصبح نشرها لتلك الصور هو مصدر متعتها.

تستغل أم حسن الصورة النمطية للجمال، لتصنف زوجة ابنها حسن بأنها غير جميلة، وأن أحفادها جملاء كجدتهم، في حين تبحث لابنها أيهم عن زوجة يريدها كأحد أيقونات الجمال التي تعرضها الشاشات.

أما سهام فقد اختارت لوم المجتمع المحيط بها، لتغطي دورها في تراجع أبنائها ومعاناتهم عندما تركتهم صغارًا وخرجت لعملها، قائلة إنها بيئة متخلفة أثرت على أبنائها.

آباء يسعون جاهدين لدخول أبنائهم كليات القمة، على حساب أي شيء، فقط للحصول على قوة الصورة النمطية المتشكلة لتلك التخصصات في الوعي الجمعي.

والأمر صراحة أعقد من هذه الأمثلة، فالنفس البشرية تبرر ما هو أبعد من تلك الأفعال، في حين يقول تعالى: (بل الإنسانُ على نفسهِ بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره (15)) القيامة.

ولا يخفى على عاقل أن وسائل التواصل الاجتماعي قدمت عصاة سحرية لبناء تلك الصور النمطية واستغلالها، والقولبة في زمن العوالم الإفتراضية أصبحت أسهل وأسرع وأخطر.

والتساؤلات المهمة هنا: من الرقيب في كل تلك الأحوال الله سبحانه أم الناس؟ وأين المروءة والخلق في القولبة والوصم واستغلال تلك الصور المجتمعية؟ وهل هكذا يكون أداء الأمانات التي أوكلها الله لنا؟

وكيف ستحل المشاكل إذا كانت القولبة أو التنميط هي أساس العلاقات والتعامل؟ بل ما الذي يدعو للتغيير في مجتمع الوصمة؟ وكم يكون صعبًا تراجع المخطئ عن خطئه أو توبة المذنب؟

وإذا بقي المعيار هو الصورة النمطية في الوعي الجمعي، وليس القيم العليا المتصلة بالخالق، فكيف سيؤول بنا الحال والإعلام يمعن في سحب المجتمع وأخلاقه نحو الهاوية، برسم صور نمطية تقلب الحقائق وتهدم القيم والدين وحتى الإنسانية؟ وأخيرًا هل هناك أمل في تغيير الصور النمطية المسيطرة؟

والجواب مرهون بالتربية أولًا، وبدور التعليم في المجتمع ثانيًا، ووسائل الإعلام ثالثًا.

يجب علينا تعليم أبنائنا القدرة على ممارسة الفكر الناقد، ومهارات المشاهدة النقدية لوسائل الإعلام، وربما ذلك سيجعلهم مشاهدين مستنيرين، بدلًا عن متلقين سلبيين تسيطر عليهم وسائل الإعلام التي تكرس لديهم الصور النمطية غير المرغوبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد