ستيف بيكو من المناضلين الجنوب أفريقيين الذين أسسوا لفكر عارض التفرقة العنصرية بقوة، ولد 18 ديسمبر 1946، بعد فترة قصيرة من انقضاء الحرب العالمية الثانية، لكنه عاش في حرب أخرى امتدت لعقود، كان بيكو من المؤسسين لحراك الطلاب بجنوب أفريقيا ، في فترة الستنيات، من أجل نشر الوعي في أوساط الشباب ضد النظام التفرقة العنصرية، وأسس (حركة الوعي الأسود)، وكان يهدف لتغيير الوعي الأسود بجنوب إفريقيا تبعًا لمقولته الشهيرة «أقوى سلاح في يد القاهرين هو عقل (وعي) المقهورين»، وكان وفيًّا لأفكاره التي تسببت بموته تحت التعذيب في 12 سبتمبر 1977م.

كان لستيف بيكو الأثر الكبير في حياة نلسون مانديلا، الذي تحدّث مرارًا عن إعجابه بـستيف بيكو، الذي يعتبر رمزًا رئيسًا في حملة مانديلا للانتخابات الرئاسية بعد خروجه من السجن، وعلى المستوى الشخصى؛ التقى ستيف بيكو، بزوجته، انتسيكي ماشالابا، وتزوجا في ديسمبر عام 1970، بمدينة الملك ويليام في منزل والدته وأنجبا ابنهما الأول أنكوسينثي في عام 1971.

إسهماته في تغيير مستقبل جنوب أفريقيا

استقال ستيف بيكو من كلية الطب بسبب أفكاره وتمرده على مبادىء الفصل العنصرى، لكن وبصفته طالبًا بالجامعة، ذا وعي وثقافة عالية، عمل على تغيير الواقع عبر مؤسسات ذات طابع سياسي توعوي؛ ففى عام 1969 أسس منظمة «طلاب جنوب أفريقيا» الهادفة إلى ضرورة تحرير السود لأنفسهم والاعتماد على ذاتهم من أجل تغيير جذري لجنوب أفريقيا، وكان تأسيس المنظمة إيذانا ببدء حركة الوعي الأسود (Black Consciousness Movement)، الحركة التي أعادت تنشيط وإشعال مقاومة الفصل العنصري في السبعينيات، وظهر بسببها عدة منظمات تنموية وسياسية ومجتمعية، ذات أثر كبير في واقع شعب البانتو في جنوب أفريقيا إلى أن نالت الحرية بانهيار نظام الفصل العنصرى في أوائل تسعينيات القرن الماضى.

التعليم الخطوة الأولى نحو الوعي

يرى ستيف بيكو أن التعليم هو الأساس المتين من أجل نشر الوعي بهوية الإنسان، ومعرفة حقوقه، وإنفاذ واجباته نحو مجتمعه، فقبل حوالى نصف قرن من الزمان، أرسى هذا المناضل خارطة طريق لكل المصلحين في جميع المجتمعات الأفريقية نحو الإصلاح والتنمية المستدامة، فهو يرى أن كل ما هو مطلوب هو رفع الوعي بالهوية الإفريقية وثقافة السود، لمنحهم الاعتزاز والشعور بالمساواة داخل أنفسهم.

الخطوة الأولى هى التعليم؛ التعليم الذي يمثل الحل لإرساء التنمية المستدامة في جنوب أفريقيا وكل أقاليم القارة بشكل عام، والتعليم هو السلاح الذي تحتاجه المجتمعات من أجل التقدم نحو أهدافها، من خلال معرفة الهوية والاعتزاز بها، فليست المسألة مسألة لون أو قبيلة؛ إنما مسألة كيفية المطالبة بالحقوق، والاعتراف بالآخر كما هو، من غير نزعة نحو الدونية أو الفوقية، فإيمان ستيف بيكو بأن تعليم السود أو أي مجتمع هو المحدد الواضح لقيمتَهم كبشر، سيساهم في معارضتهم ومقاومتهم للذين يحكمونهم ظلمًا، وسيؤدي لا محالة إلى ثورة واسعة النطاق لا يمكن إيقافها، الثورة التي قادت نحو التحرر، الثورة التي نحتاجها اليوم للانطلاق نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة للقارة الأفريقية.

الذكرى التي لا تنسى

سيظل ستيفن بيكو نموذجًا وبطلًا في النضال من أجل تقرير الشعوب لمصيرها في جميع أنحاء العالم، هكذا أخبرتنا حياته وكل كتاباته، فقد أرخ الكاتب وسيم كمال شفيق في كتابه «دور حركة الوعي الأسود في الحياة السياسية لجنوب أفريقيا» المزيد من تأثيرات هذه الحركة التي تجزرت في شباب وجيل؛ تحررت معظم الدول الأفريقية في زمنهم، شباب تشبّع بالفكر التحررى للقارة.

تعد قصة موته المأساوية ذكرى قوية وشعلة ساهمت في نجاح الحركة في جنوب أفريقيا المناهضة للفصل العنصري، وقد أثبت نيلسون مانديلا الفضل لبيكو بأنها الشرارة التي أشعلت النار في جنوب أفريقيا، وكذلك أثرت في الأجيال الحالية التي تسعى إلى تحرير إفريقيا من العوز والجوع، الأجيال التي تعمل على مواصلة تراث الآباء المحررين من أجل تنمية مستدامة، تضع القارة الأفريقية في مصاف القارات المتقدمة، حيث ينبغي لها أن تكون.

صحيح أن مقتل بيكو المأساوي ترك تأثيرًا عظيمًا في الجنوب أفريقيين «السود» والمتعاطفين مع قضيته في جميع أنجاء العالم، وقدّر عدد الذين حضروا جنازته بأكثر من 15,000 مشيع، باستثناء الآلاف الذين منعتهم الشرطة من الحضور؛ إلا أن الإرث الذي تركه ستيف بيكو، ونضاله الذي أفنى حياته من أجله، ساهم في تسريع عملية التحرير والاستقلال والحريات التي يعيشها شعب جنوب أفريقيا اليوم، وحدد بشكل عام مستقبل القارة الأفريقية الذي ترسمه الأجيال الحالية، أفريقيا المستقبل، أفريقيا التي نريد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد