مع تطور وسائل الاتصال وتعدد منافذ التعبير عن الذات، وما يجول بالفكر وما يؤرق الكيان، كثر الفنانون أو من نسبوا لأنفسهم هذا اللقب دون إجازة من ذوي الاختصاص، فخنقوا ساحة الفن بضجيجهم، حتى صعب علينا التفريق بين المواهب الحقيقية والأخرى المزيفة لكثرة تدافع المراهقين على منصات المعارض والمهرجانات بتواطئ من سماسرة الأدب والثقافة، المضاربين بأحلام الشباب في بورصة الفن.

لطالما حاصرت ذهني أسئلة كثيرة، بخصوص الفن وحال الثقافة في الوطن العربي وخاصة بلدي الجزائر، فعلى سبيل المثال لا الحصر حين أزور معارض الكتاب كل عام، وأرى ما تحمله لنا من إصدارات أدبية لكتاب جدد مراهقين، أقل ما يقال عنها إنها غير صالحة للقراءة، فضلًا على أن تكون فنًا نتذوقه، أنا لا أحمل هؤلاء الشباب المسؤولية، ولكني أوجه أصابع الاتهام لأولئك من فتحوا لهم باب النشر دون تدقيق وتوجيه أو نصح، سياستهم مادية محضة، من يدفع المال أكثر يوضع في المقدمة ويتصدر المشهد، دون وضع اي اعتبار لصلاحية الكتاب للنشر او لجودته الفنية، فغرق السوق بورق لو تُرك في الأشجار لكان أنفع للناس.

والحال لا يقتصر على حقل الكتابة الإبداعية فقط، بل يشمل كل الفنون التي مسها وباء التسفيه والإهمال في وطننا العربي، وهذا ما أحسبه سيضر بالشباب أكثر مما سينفعهم، أمر أراه سيقضي على الذوق الفني والجمالي، ويعكر الجو الثقافي؛ ما سينعكس بالضرورة على المجتمع بصفة عامة.

نحو اكتشاف المواهب الحقيقية

الموهبة كلمة ذات دلالات عميقة ومعاني كبيرة وواسعة.. فأهمية المواهب في المجتمع كأهمية الحليب للرضيع، وبما أن الأم تهتم بنوعية الحليب الذي يتغذى به جسم. فلذتها، حتى القائمين على الثقافة واجب عليهم اكتشاف المواهب الحقيقية وفصلها عن تلك المزيفة، وإحاطتها بالإهتمام والرعاية وصقلها، إنطلاقًا من أسس علمية وتربوية دقيقة، بالاستعانة بمتخصصين في علم النفس التربوي والمعرفي والتنموي؛ لأن الأمر متعلق ببشر، وليس دمى، أو روبوتات نعلمها الرقص والكلام، لندَّعي أننا نملك الكثير من المواهب، ونجامل ونبيع الوهم للشباب، ونرميهم بالألقاب جزافًا هكذا، ثم نترك هذه الكذبة تعشعش في عقولهم حتى تصيب قلوبهم بسرطان الغرور والعَجَب، وتوقعهم في فخ النَّرجسية وتعظيم الذَّات، فهؤلاء هم من سيملؤون الساحة الأدبية والمسارح بضجيجهم ويخنقون الجو بتفاهاتهم، ويتجرؤون على تأليف الكتب لتُسمى «فن».

هكذا يغطون على المواهب الحقيقية التي هي في الأصل قليلة ونادرة في كل المجتمعات والأمم، فهناك إحصاءات تفيد بأن الفنانين حقًا لا تتعدى نسبتهم 6% في أي شعب، فحبذا لو تُركَّز الجهود على فئة قليلة، تتميز بالذكاء والقدرة على الإبداع والتميُّز، أملًا أن يرفعوا مستوى الفِكر والثقافة في الوطن العربي وفي الجزائر خاصة، فنحن في أمس الحاجة لهؤلاء، خاصة وأننا نمر بمرحلة تاريخية جدُّ حرجة وخطيرة، لا وقت لنا فيها للمجاملات والمحاباة وبيع الألقاب والجوائز، لدوافع شخصية أو خدمة لمصالح جهة معينة أو مؤسسة غايتها الوحيدة ربح المال واستعراض عضلاتها أمام العامة.

فكما قال «كانط»: العبقرية هي موهبة (طبيعية) التي تعطي القاعدة للفن، ولمَّا كانت الموهبة بوصفها قوّة مبدعة فطرية في الفنان تنسب إلى الطبيعة فيمكن أيضًا القول إن العبقرية هي الاستعداد في النفس الذي بواسطته تعطي الطبيعة القاعدة للفن. فلابد أن ينظر إلى الفنون الجميلة على أنها فنون العبقرية، هذا لأن كل فن يفترض قواعد يقوم على أساسها أولًا شيء ممكن يمثل تجريدًا له يسمى «فنًا».

وما يهدد الفن وخاصة الكتابة الإبداعية هو هجر اللغة القوية، واتخاذ كثير من الشباب من الأسلوب البسيط جدًا والعامية قناة للتعبير عن أفكارهم، فهذا لعمري يضع اللغة العربية الراقية في خطر الاندثار من ذاكرة الجيل الجديد.

ففي تلخيصه لنظرة «مارتن هيدجر» الفيلسوف الألماني للغة  في كتابه Acheminement vers la parole، يقول «بول ريكور» عالم الإنسانيات الفرنسي  في حوار صحافي له «الأمر الأول الذي أود التأكيد عليه هنا هو أن الشعر يناط به حيازة أبعاد اللغة والحفاظ على عمقها واتساعها ورحابتها، ذلك أن الخطر الأول المحدق بثقافتنا الحالية يكمن في قصر اللغة على التواصل في أدنى مستوياته أو بمجرد تعيين الأشياء والأشخاص. وهنا تصبح اللغة أداتية فقط، هذه النظرة الأداتية للغة هي أخطر ما يمكن أن يواجه ثقافتنا». فحسب مارتن هيدجر «الفكر إنصات إلى الوجود، نداء ليس بإمكان أي شخص أن ينصت إليه. انه نداء يتوجه نحو المفكر والشاعر باعتبارهما يحملان رسالة تتجلى في حراسة حقيقة الوجود ورعايته».

أيضًا توجد ظاهرة أخرى لا تقل أهمية عن ما سبق وذكرته، هي السعي نحو التجديد العشوائي والتجريب دون علم مسبق بما كان قبل من تراث والسعي نحو الهدم والتفكيك دون نظر إلى الأسس التي قامت عليها الفنون، فلمس الفوضى واللامعنى فيما يُنتج. فلا أرى افضل من نصيحة بيكاسو الرسام الإسباني الشهير بهذا الخصوص حين قال: «أتقن القواعد كمحترف حتى تتمكن من كسرها كفنان».

وأعيد وأكرر ما قلت بوجوب مراقبة جودة ما يُنتج في الساحة الفنية، حماية للذوق العام وارتقاءً به، فحسب «أحمد أمين» الذي يُعد واحدًا من أهم رواد النهضة العربية خلال القرن 20 في رسالته إلى ابنه الذي كان آنذاك بصدد إكمال دراسته في إنجلترا عندما حدثه عن أهمية الذوق فقال «لطالما اعتنى المفكرون ورواد الثقافة وحماة الفِكر الرَّاقي بالسمو بالذوق العام، لأن الذوق يعمل على ترقية الأفراد الجماعات أكثر مما يعمل العقل، فالفرق بين إنسان وضيع وآخر رفيع، ليس فرقًا في العقل وحده، بل أكثر من ذلك فرق في الذوق، ولئن كان العقل أسس المدن ووضع تصميمها فالذوق زينها وجمَّلها».

فأتمنى من كل قلبي الاهتمام الشديد بالذوق، لنضمن سموَّ أخلاقنا ونبل عواطفنا، فأيُّ كاتب؟ وأي فنان ذاك الذي لا يقدر على التمييز بين الجميل والقبيح، وما يليق ولا يليق؟

فانحراف الذوق العام يعني انحطاط الفنون والنتيجة الحتمية هي تدهور الفِكر والأخلاق، وفقدان الأدب لقيمته وقدسيته لتتجرَّأ على دهسه الأقدام ويلعب في ساحته الأطفال، فما الحياة بلا ذوق وما الدنيا بلا جمال؟ فأي شعب يهدف لصنع مجده الخاص، يسلك دربًا واحدًا لا ثاني له هو تضافر الجهود والعمل الجدي والمضني وإنكار الذات لأجل الصالح العام، للانتقال من مُراهقتنا الفكرية إلى مرحلة الشباب والنضج، فالأولى تتميز بالانفعالات وردود الفعل وغلبة العاطفة، والثانية تعتمد على التخطيط الممنهج، والمنطق السليم، ورؤية استشرافية للمستقبل. فجودة الثقافة والفنون هي المعيار الأساسي، ومقياس درجة تقدمنا، وبطاقة تعريف الشباب الجزائري أمام نُظرائهم من الأمم الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أزمة, ثقافة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد