في اليونان القديمة، حيث مهد الأفكار الفلسفية الأولى، لم يكن لرجل الشارع آنذاك أن يعرف ما هي أفكار أرسطو أو أفلاطون، ولكنهم عرفوا مؤسس الفلسفة الرواقية زينون الذي نُصب له تمثال في أثينا على نفقة الشعب وكُتب عليه كرّس زينون نفسه لسنوات عديدة للفلسفة في المدينة، بالإضافة إلى قيمته في الجوانب الأخرى، يحض على الفضيلة والاعتدال، الشباب الذين جاءوا ليتعلموا على يديه، ووجّههم إلى ما هو أفضل، وكان، في سلوكه الخاص، قدوة يتأسى بها الجميع، ومتسق تمامًا مع تعاليمه، يبدو إذًا أن زينون التزم بأخلاق وسلوك معين، ولذلك انتشرت فلسفته بين عموم الناس.[1]

ولد زينون الرواقي في قبرص حيث بدأ في شبابه العمل في التجارة، إلى أن نزلت به كارثة مالية فقدَ فيها كل ثروته، بعد هذه الحادثة ذهب إلى أثينا وتتلمذ على يد بعض أساتذتها، ثم أنشأ مدرسته في رواق مزخرف جاءت منه لفظة الرواقية، ويحكى أنه عاش حياةً بسيطة وعمَّر أعوامًا كثير دون أن تصيبه علّة أو مرض، حتى شاء أن يختم حياته بنفسه.[2]

ما هي سمات الأخلاق الرواقية؟


من الواجب ذكره أن الفلسفة الرواقية جائت مناقضة لفلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطو، فقد أقام ثلاثتهم الفلسفة على أساس البحث النظري قبل كل شيء، أما الرواقيون فلم يأبهوا بالآراء النظرية ولم يُعيروها من عنايتهم ودروسهم إلا بمقدار ما تكون سبيلًا إلى الجانب العملي من الحياة، فليست الفلسفة عندهم أن يتقصى الإنسان بنظره الأرض والسماء ثم يقف عند هذا الحد لا يتعداه، بل هي فن الفضيلة ومحاولة اصطناعها في الحياة العملية[3]، ولذلك، فقد قسم زينون فلسفته إلى ثلاثة مباحث، وهم المنطق – في جوهره منطق أرسطو – والطبيعة – ليس في الوجود سوى المادة – والأخلاق، على أن يكون الأولان وسيلتين تؤديان إلى الثالث وهو الغاية المنشودة.[4]

تقوم الأخلاق الرواقية على مقولة  عِشْ وفق الطبيعة التي تعني على المستوى العام على وفاق الطبيعة وقونينها الثابتة التي لا تتغيّر، وبالمعنى الضيق على حسب العقل، بحيث يُخضع الإنسان حياته لحياة العالَم ويعد نفسه ترسًا في آلته[5].

يقول إبيكتيتوس أحد الرواقيين عن هذه الفكرة القدرية (إذا كنت معتزمًا القيام بعمل ما، ذكِّر نفسك بطبيعة هذا العمل. فإذا كنت ذاهبًا لكي تستحمَّ فتمثَّل في نفسك ما يحدث في الحمامات العامة؛ ثمَّة من يُرشِّشُ الماء، والبعض يتدافعون بالمناكب، وآخرون يسبُّ بعضهم بعضًا، وهناك من يسرق. وهكذا سوف يتسنَّى لك الاضطلاع بشأنك على نحوٍ آمِن إذا قلت لنفسك: لقد اعتزمتُ الآن أن أغتسل وأن أحفظ إرادتي في انسجام مع الطبيعة. وليكن هذا دأبك في أي عملٍ آخر؛ فبذلك إذا ألمَّت بك في اغتسالك أيُّ عوائق سيمكنك أن تقول: لم يكن مقصدي الاغتسال فحَسْب، بل قصدت أيضًا أن أحفظ إرادتي في انسجامٍ مع الطبيعة، ولن يكون لي أن أحفظها هكذا إذا أنا تبرمتُ مما يحدث).[6]

طبقًا لفلسفتهم، فإن أشياءً مثل النقود لا تكون خيرًا في ذاتها، بحيث يطلقون عليها اسم (أشياء مُحايدة) بمعنى أنها ليست خيرًا أو شرًّا، فمثلًا يمكن لي أن أمتلك المال وأشتري به هروين، الأشياء الخيّرة الوحيدة لديهم هي تلك الفضائل البشرية مثل الحَصَافة والحكمة والتحلي بالعقل.

كيف يمكننا استخدام تقنية الأخلاق الرواقية في زمن الوباء؟


في مقال لها على موقع (الجارديان) بعنوان (كيف أنه لا داعي للذعر أثناء جائحة فيروس كورونا: دعونا نرحب بالأوقات الصعبة مثل رواقي) ترشدنا الكاتبة Brigid Delaney إلى التغلب على الآثار النفسية الناجمة عن انتشار فيروس كورونا باستخدام الفلسفة الرواقية، من حيث أنها أداة قديمة تساعدنا على البقاء هادئين في أوقات المحن، فهي تعتبر إطارًا فلسفيًّا عميقًا مفيدًا في منحنا إرشادات أخلاقية في تلك الأوقات العصيبة. سنستعرض هنا أهم ما جاء في هذا المقال.

الحفاظ على الهدوء

في أوقات كتلك من السهل أن نقع في دوامة من القلق، لكن الرواقيون مؤمنون بأن عقولنا قوية وبها نستطيع أن ننشئ جنتنا أو جحيمنا.

عاش الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس في زمن الطاعون بين عامي 165- 180 قبل الميلاد، والذي قضى على ثلث سكان إمبراطوريته، وقتها كتب في مذكراته يقول الكون دائم التغير، أما حياتنا فهي ما تشكله أفكارنا، فالرواقيون يقدّرون التفكير العقلاني، بحيث يعملون على تأمل الموقف بشكل جيد بدلًا عن التصرف باندفاع.

الأخلاقيات

يعتقد الرواقيون أنه من الممكن أن تفقد صحتك أو أن يسلبك أحدهم مالك، لكن لا أحد يستطيع أن يسلبك شخصيتك، لذلك ينبغي عليك أن تغذي هذه الشخصية، ففي أوقات كتلك تحثنا الأخلاق الرواقية على الحفاظ على حسن الخُلق، كأن لا نقوم بتكديس السلع، وكأن نعزل أنفسنا ليس فقط من أجل سلامتنا، إنما أيضًا من أجل سلامة الآخرين. يقول الفيلسوف الرواقي المعروف سينكا حينما يكون هناك إنسان، فهناك فرصة للتعاطف.

العزل المنزلي

عاش بعض الرواقيون في أجواء كتلك التي نعيشها حاليًا بسبب النفي، فسينكا قد نُفي من قبل الإمبراطور كلاوديوس إلى كورسيكا لمدة ثماني سنوات.

في أجواء النفي تلك، استغل سينكا وقته في الاستمتاع بالطبيعة وبالتفكير في طبيعة الحياة، وتعلم أيضًا أن الحرمان يمكن أن يكون مُصححًا جيدًّا للإنسان، كما أن حياة الترف تُعوّد الإنسان على النعومة والانحلال، وفي رسالة لصديقه كتب يقول عندما نكون بدون بعض الأشياء نعرف عدم أهميتها في حياتنا، فنحن نستخدم هذه الأشياء ليس بسبب أننا نحتاجها؛ بل بسبب أنها متواجدة فحسب.

النظرة المتشائمة

عندما أطل رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون وأخبر شعبه أن الكثير من العائلات سوف يفقدون أحبائهم بسبب تفشي فيروس كورونا، هو هنا استخدم تقنية يستخدمها الرواقيون لسببين: أولهما أن ذلك يجعلنا نتقبل الخسائر التي لا مفر منها بسبب قلة توقعاتنا من الحياة، والثاني أن هذا يُعلّمنا أن نُقدّر ما بين يدينا من أناس نحبهم وأشياء نمتلكها.

ختامًا، فإن الأخلاق الرواقية من شأنها أن تهذب طبائعنا، لأنها ببساطة تدعونا لكي نكون عقلانيين عندما نحكم على الأمور من حولنا، وأن نفعل ما هو باستطاعتنا فحسب، ولكن تلك الأخلاق الرفيعة تحتاج منا الكثير الكثير من الصبر والتدريب، يقول إبيكتيتوس في كتابه المحادثات لا بد من التدريب الشديد والمستمر لكي نحفظ رغبتنا ونفورنا مثلما نود لهما، فلا نأسى على رغبة لا تتحقق ولا نجرُّ على أنفسنا ما نود تجنُّبه، ولا يتم ذلك إلا بأن نقصرهما على الأشياء التي في قدرتنا. أمَّا الأشياء التي ليس لنا سلطان عليها فينبغي ألا تشغلنا، ألا نرغب فيها ولا ننفر منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد