على دفتر النكسة، تجسدت صفعة القباني قاسية بل عادلة على وجه واقع عربي هزيل، واقع كان لا بد وأن يكون هو النتيجة الحتمية لهوان وسبات وتخاذل صنعته الذات العربية قبل أي شيء آخر، كتب في زمنه منشورات وهوامش ولو أدرك زماننا لكتب ألف ألف ديوان في وصف مآسينا.

كانت مأساة فلسطين، وتكاد تصير مأساة وطن بأكمله، أما المفارقة الموجعة فتكمن في أن من لم يصله البلل بعد، يرقص طربًا ظانًا نفسه في مأمن من الغرق، وما ظنه إلا كظن ابن نوح.

اليوم باتت الخسارة أكبر، بعد أن أَقْسَمَت النكسات والانكسارات التي عهدناها موسمية أن تذيقنا غصتها في كل ثانية، منذ اللحظة التي طأطأنا فيها رؤوسنا أكثر وصرنا عبيدًا أكثر واعتدنا مرارة الخيبات والهزائم، ومنذ خُنقت كلمة الحق في الحناجر وعلت أصوات أقزام وصعاليك الباطل، يومها ما زدنا إلا هوانًا على هوان وضياعًا فوق ضياع.

صرنا أكثر هشاشة، يوم خلعنا معطف عروبتنا ومزقنا ديننا وتلحفنا بقشور الحضارة الغربية، يوم صدرنا للمستعمر النفط وما استوردنا منه إلا المذلة، يوم تمادى الإخوة في تعصبهم وفي عدائهم، فصارت الألوان والرايات والأنظمة بقدر ألمنا وبعدد فواجعنا، وصار خيار الوحدة كحلم إبليس بالجنة.

ضعفنا يوم أردنا أن نتماهى مع الآخر هربًا بل ربما خزيًا من هويتنا، فعلمنا أبناءنا كل لغات الأرض وخجلنا من أن نعلمهم العربية، امتلكنا أحدث الهواتف النقالة، ولبسنا من أرقى صيحات الموضة الغربية، ولا زال الفرح عندنا مقتصرًا على إنجاب الذكر، ولا زال منا من يؤمن بأن ذكر اسم أمه عورة، وأن قيمة الفرد تتحدد بدخوله إما قسم الطب أو الهندسة. وعلام كل هذا؟ فنحن من أردنا أن نفر من قذارة شوارعنا وتلوث مدننا، والشوارع والمدن هي الأولى بأن تفر منا.

نحن من حملنا أعلى الشهادات العلمية، وأدنى قدر من الوعي والثقافة، نتصرف بطبقية، نتكلم بعنصرية، ونسينا أننا على تعدد واختلاف مستوياتنا الفكرية والسياسية والاجتماعية، تجمعنا مقصلة واحدة.

ظننا أن الحضارة في اعوجاج الألسنة وفي ما نتقلده من ألبسة، ظننا أنها في توثيق زياراتنا إلى أرقى المقاهي والمطاعم وفي امتلاك السيارات والبيوت الفارهة، وفي مظاهر أخرى كثيرة أردنا أن نعكس بها بذخنا وترفنا، وما هي في الحقيقة إلا مرآة عكسنا بها خواء عقولنا وإفلاسها.

وبالرغم من أن استبداد الحكام وتآمر الساسة على النيل من هذه الأمة، أمر لا يمكن إنكاره في تأخرنا، إلا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فانجراف أكثرنا وراء المظاهر الكاذبة والتقليد الأعمى وتوريث هذه السطحية لأبنائنا، لا يمكن أن يبني حضارة، فالحضارة تبدأ في اللحظة التي نعلم فيها أولادنا حب أوطانهم، وتاريخ أجدادهم بحلوه ومره، في اللحظة التي نعلمهم فيها قيمة القراءة والدين والعلم في آن واحد، وحين نعلمهم أن الصفعة على وجه الفلسطيني هي ذاتها على وجه المصري، وأن من العار أن تذبح دمشق وبغداد وصنعاء وفي الوقت ذاته ترقص مدن أخرى.

سيبزغ فجر جديد في الوقت الذي نرمم فيه ذواتنا وعقولنا وأرواحنا المعطوبة قبل تسلق سلم المظاهر الاجتماعية والبحث عن الوجاهة، وفي الوقت الذي نحرص فيه أن تكون أخلاقنا أثمن ما نملك.

وإن كان نزار قد قال: «خلاصة القضية توجز في عبارة لقد لبسنا قشرة الحضارة و الروح جاهلية».، فمالك بن نبي يقول:   «ليس ينجو شعب من الاستعمار وأجناده، إلا إذا نجت نفسه من أن تتسع لذل مستعمر، وتخلصت من تلك الروح التي تؤهله للاستعمار».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد