يحيي الشعب الفلسطيني هذه الأيام الذكرى الثلاثين للانتفاضة الفلسطينية الأولى «انتفاضة الحجارة»، والتي انطلقت في التاسع من ديسمبر (كانون الأول) 1987، واستمرت حتى عام 1993. وتأتي هذه الذكرى بعد أحداث وتطورات كثيرة مرت على القضية الفلسطينية، ومسيرة نضال الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال.

الانتفاضة اصطلاحًا

يعتبر مصطلح «الانتفاضة» مصطلحًا حديثًا، ولد في سياق حالة احتجاج شعبية قام بها الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال بآليات وأدوات مختلفة ومتجددة، لا تنطبق عليها التعريفات المعهودة لمفردات أخرى مثل الثورة، التمرد، التظاهر، الاحتجاج. لذلك مصطلح انتفاضة (ترجمة جوجل) دخل كل لغات العالم، ويكتب باللاتينية Intifada كما ينطق بالعربية ولم يترجم ولا يوجد ما يرادفه في قواميس المصطلحات، وقد فرض المصطلح نفسه على كل اللغات فلفظة «انتفاضة» هي الكلمة العربية الوحيدة التي دخلت معجم مصطلحات علم الاجتماع والسياسة الدولية في القرن العشرين.

البدايات

برز العمل السياسي النضالي داخل الأرض المحتلة في أوائل ثمانينات القرن الماضي، وتصدر هذا العمل المثقفون والكوادر السياسية المنضوية أو المقربة من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وتركز آنذاك داخل حرم الجامعات الفلسطينية والنقابات، ويحسب لهذه الكوادر داخل فلسطين دورها، فقد كان الخروج في العلن والشروع بأي نشاط نضالي أو حتى التعبير عن رأي سياسي ضد الاحتلال يقابل بمنتهى العنف والـتعسف من قبل سلطات الاحتلال، وعواقبه إما النفي خارج فلسطين، وإما الاعتقال سنوات بمحاكم عسكرية، وأقل العقوبات هي المنع من العمل والسفر، أو الاعتقال الإداري شهورًا دون محاكمة، فقد كان العمل النضالي وتصدر المشهد السياسي داخل فلسطين في تلك الحقبة مغرمًا، وليس مغنمًا لأي قائدٍ أو كادر.

وعلى الرغم من الثقة والتقدير التي حظيت به هذه كوادر في تلك الحقبة، إلا أنها لم تتمكن من حشد الشارع الفلسطيني وإشراك كافة الشرائح في النضال ضد الاحتلال، وصولًا إلى ثورة شعبية شاملة إلى أن جاءت انتفاضة الحجارة عام 1987. انطلقت الانتفاضة من مخيم جباليا في قطاع غزة إثر جريمة قتل عنصرية نفذها صهيوني ضد مجموعة عمال فلسطينيين عزل داخل فلسطين المحتلة عام 1948، توسعت المظاهرات جغرافيًّا في أرجاء الضفة وغزة والقدس ومناطق 48، وانضم إليها ولأول مرة في تاريخ الصراع كافة شرائح المجتمع الفلسطيني من كوادر سياسية ومثقفين وعمال وطلاب وفلاحين شيبًا وشبانًا ومن كلا الجنسين.

نقطة تحول

سارعت فصائل منظمة التحرير بتشكيل قيادة وطنية موحدة للانتفاضة خرجت ببيانها الأول في الثامن من يناير (كانون الثاني) 1988؛ مما ساهم في تنظيم فعاليات الانتفاضة، والحفاظ على استمراريتها، وبعد أسابيع قليلة من اندلاع الانتفاضة وفي الرابع عشر من ديسمبر (كانون الأول) 1987، كانت انطلاقة حركة المقاومة الإسلامية حماس التي شكلت رافدًا إضافيًّا للانتفاضة التي استمرت سنوات.

لم تكن انتفاضة الحجارة بالشكل التي تصاعدت فيه جغرافيًّا وديمغرافيًّا ضمن توقعات حكومة الاحتلال وأجهزتهه الأمنية اليقظة؛ مما سمح للانتفاضة بالتوسع والاستمرار سنوات، ويقول الكاتب الإسرائيلي «أبراهام سيلا» في صحيفة هآرتس الإسرائيلية:

«كانت الانتفاضة مفاجأة كبيرة للمخابرات، حتى وهي مستمرة لم يتمكن رجال الأمن وصناع القرار فهم أهميتها، على خلاف ما ادعته حكومة إسحاق شامير­ أنها كانت فورة عفوية، نتجت من أسباب اقتصادية، واجتماعية، ووطنية، على حدٍ سواء».

لم تحقق الانتفاضة أهدافها الرئيسية بالاستقلال وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة، إلا أن معظم المؤرخين والباحثين اعتبروها نقطة تحول ومحطة نجاح في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني؛ لأنها كانت سببًا في إحياء الروح النضالية في أجيال جديدة لم تعاصر نكبة 48، ونجحت أيضًا في توحيد الجماهير الفلسطينية وحشدها، وحافظت على استمرارها بزخم كبير سنوات، حتى أصبحت راسخة في وجدان الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، ويرجع الباحثون هذا النجاح والاستمرارية للأسباب التالية:

  • اتسمت فعاليات الانتفاضة في بداياتها بسمات شعبية ووطنية جامعة، وحدت كافة الشرائح والأيديولوجيات بعيدًا عن المناطقية والطبقية واختلافات وجهات النظر بين القوى السياسية الفلسطينية.
  • التنوع والتدرج في أشكال النضال وأدواته والتصعيد في الفعاليات، فما بين المظاهرات الشعبية والاشتباك اليومي مع جيش الاحتلال بالحجارة والمولوتوف إلى الإضرابات الشاملة، وإحياء المناسبات الوطنية والاعتصامات المنظمة، وصولًا اإى حالة عصيان مدني متعدد الجوانب.
  • عدم إغفال الجانب الاقتصادي والاجتماعي عبر إطلاق مبادارات التكافل الاجتماعي، وتعزيز  الصمود والاعتماد على الاقتصاد المنزلي، وبرامج مقاطعة المنتجات الصهيونية، ورفض دفع الضرائب للاحتلال، ومما يشار إليه أن توفير
    الاحتياجات الأساسية للمواطنين ظل يقع على عاتق سلطات الاحتلال بصفتها محتلة للأراضي الفلسطينية، ولم تكن احتياجات المواطن الفلسطيني اليومية والعامل الاقتصادي عبئًا أمام أي فكرة أو عمل سياسي مقاوم على عكس ما يعاني منه الشعب الفلسطيني اليوم.
  • التنبه لأهمية دور الإعلام والرأي العام العالمي، وقد لعبت الصحافة الفلسطينية ومراسلو وكالات الأنباء
    في الأراضي الفلسطينية دورًا مهمًا في نقل الصورة والأحداث بشكل موضوعي ومهني للعالم؛ مما نتج منه كسب الرأي العام العالمي، وخاصة الغربي إلى جانب القضية الفلسطينية، ودحض رواية حكومة الاحتلال باعتبار نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال هو أعمال تخريبية تقوم بها مجموعات معزولة.
  • بروز دور المرأة الفلسطينية التي لم تكن مشاركتها في هذه الانتفاضة شكلية؛ بل انخرطت في كافة مظاهرها وأشكالها ووسائلها ومجالاتها، وقد أسقط هذا الدور الفاعل للمرأة الفلسطينية الحساسية التقليدية لدور المرأة في العمل الجماهيري وضوابطه، وكان مدخل المرأة الفلسطينية للمشاركة الفعلية في الأطر السياسية الفلسطينية بعد ذلك.
  • الاهتمام بالجانب الثقافي والأدبي والفني الفلسطيني، والذي شكل رافعة لإحياء الهوية الفلسطينية والرموز الوطنية التي حاول الاحتلال بعد نكسة 67 طمسها، وقد وفرت الانتفاضة البيئة المناسبة للشعراء والأدباء والفنانين الفلسطينيين للعمل بعمق وبتنوع وبغزارة؛ وذلك لعمق الحدث وغزارة إفرازاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

د.بشير أبو القرايا , النظام الانتفاضي نظرة في الواقع العربي والإنساني, بيروت 2013
. د.أحمد الديك , سوسيولجيا الانتفاضة
موقع وكالة الأنباء الفلسطينية وفا
موقع حركة حماس الرسمي
صحيفة هآرتس
عرض التعليقات
تحميل المزيد