قال تعالى : ” أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) . سورة الحج

فلسطين ، هي الدولة التي تختلف عن باقي الدول العربية ، هي أرض الرسالات ، أرض الاسراء و المعراج ، أرض المحشر و المنشر ، فلسطين موقها الاستراتيجي بالإضافة إلى قدسيتها هذا كله يجعلنا ندرك أنَّ فلسطين لا تشبه أي دولة في العالم.

 

لفهم ما يجري في فلسطين علينا أن نعود للآيتين من سورة الحج؛ فالآية الأولى هي أول آية من آيات الجهاد، ففلسطين دولة مُحتلة ، مسلوبة ، يُعاث بها فساداً ، فالقتل فيها أصبح فعلاً يومياً ، و الاعتداءات و الانتهاكات و القمع الذي يحدث أمام المجتمع الدولي الذي يغض الطرف عن الانتهاكات و الجرائم الاسرائيلية، و الوعود و الاتفاقات الكاذبة و المفاوضات التي لم تحقق شيئاً ، و الضغط و الذل الذي يُمارس على الشعب الفلسطيني.

 

كل هذا أدى في نهاية الأمر إلى انتفاضة القدس ، هذه الانتفاضة التي ترتبط بمفهود الصمود و الجهاد الذي ذُكر بالقرآن الكريم ، فالمقاومة هي نوع من الجهاد بغض النظر عن أشكال المقاومة ، و عدا عن أنَّ المقاومة حق في القانون الدولي لأي شعب يعيش في ظل احتلال، و لكن القانون الدولي هو قانون لا يُطبق فكيف إذا كانت إسرائيل هي الاحتلال، فإنه من الطبيعي أن يبتعد القانون الدولي عنها و يحاول أن يحافظ على بقائها و أمنها.

 

الشعب الصامد الصابر قد وصل إلى مرحلة لا يستطيع الصمت أمام ما يجري أمام عينيه ، فالاعتداء على الأقصى و المرابطين و المرابطات فيه ، و بداية تقسيم المسجد الأقصى و القتل بدم بارد ، و المماطلة و التسويف الذي ينتهجه الاحتلال ، و التضيق و التنكيل ، أدى في النهاية إلى تفجُّر الغضب، الغضب الذي تطور و تراكم حتى ظهر لنا على الهيئة التي هو عليها ، فالحجر في فلسطين هو أداة للمواجهة ، و الصمود و الانتصار ، و كأنَّ الحجارة في فلسطين تنطق ، فالحجارة هنا لا تنطق إلَّا بالحق ، و القوة ، و تُحقق ما تعجز عنه الطائرات و الصواريخ.

 

 

إنَّ الفلسطيني يدرك تماما أنَّه من رفح إلى الناقورة هي أرض عربية فلسطينية ، و يدرك أيضاً أنَّ كل ذرة رمل هي فلسطينية ، و كل شجرة و حفنة تراب هي فلسطينية ، و أنَّ صفد لا تختلف عن القدس و أنَّ القدس لا تختلف عن حيفا و أنَّ حيفا لا تختلف عن يافا، و أنَّ الضفة الغربية لا تختلف عن غزة و أنَّ البحر الأحمر لا يختلف عن الأبيض ، فهذه كلها فلسطين التاريخية التي لا يحق لأحد أن يتنازل عن ذرة رمل فيها ، و التي لا يمكن لأحد أن يتقاعص عن حمايتها ، و يعلم أنَّ الاحتلال هو حالة مؤقتة لن تستمر و لن تبقى.

 

لكن الاحتلال لا يدرك هذا الشيء أو أنه لا يريد أن يفهم و يعي هذا الشيء ، فما زال يخرج علينا بقصص عقيمة هي في حقيقتها أساطير من محض الخيال ، كأن يتحدث عن الهيكل المزعوم و عن حائط البراق الذي يُسمى عندهم حائط المبكى ، كأن يقول لنا و للعالم أن فلسطين هي أرض يهودية و يصف الفلسطينيين بأنهم قد احتلوها ، فهذا كله من الخيال و الكذب الذي يُروِّج له الصهاينة الذين ينشرون كذبهم عن طريق إعلامهم الذي يبتعد عن المصداقية و يعملون على تشويه الحقائق و تزييفها ، لكي يُظهروا للعالم بأنهم شعب مسكين و مظلوم.

 

 

بالعودة إلى ما يجري الآن في فلسطين ، يمكن أن نقول إنَّ الانتفاضة الشعبية قد تمتد لوقت معين أو قد تتوقف بعد أيام، و لكن الشيء المهم أنَّ فلسطين لا يمكن أن تبقى في حالة الهدوء ، فأي هدوء يحصل هو هدوء يسبق العاصفة ، فالعاصفة التي تحدث الآن هي كبيرة جدا ، فهي تختلف عن أي هبَّة أو انتفاضة سبقتها ، فهذه الانتفاضة هي نابعة من الشعب الذي ينتمي إلى وطنه ، و بالتالي لا يمكن أن يتوقع أحد ماذا قد يحصل ، فالخوف و الهلع الذي أصاب الإسرائيليين في هذه الأيام هو كبير ، فقد أصبحوا يخافون من كل شيء ، حتى من اسم فلسطيني فإنهم يخافون و يحسبون ألف حساب ، و كأن الفلسطيني شبح مُخيف!

 

 

 

 

أسطورة الجيش الذي لا يُقهر أصبحت كلاما في الماضي و ضربا من ضروب الخيال ، فالجيش الذي يتباهي بقوته هو عاجز أمام أطفال فلسطين و شباب و فتيات فلسطين ، فهذا العجز يظهر واضحا في عمليات الإعدام التي تُنفذ علانية ضد الفلسطينيين و التهمة حاضرة دائما ، مع أنها عارية عن الصحة ، فإسرائيل دائما تبرر القتل ، و عدا عن هذا فهي تتبع سياسة كَيّ الوعي و ما لا يتحقق بالقوة يتحقق بمزيد من القوة و هذا كله لإرهاب الفلسطينيين الذي يعشقون الشهادة أكثر مما يعشق الصهاينة الحياة.

 

 

 

هناك بعض النقاط الهامة التي يجب أن نتحدث عنها و أهم نقطة هي التهجير . فالتهجير ليس جديدا بل هي سياسة قديمة، و لكنها تأخذ أشكالاً متعددة و في هذه الفترة قد أخذت شكلاً جديداً ، فإسرائيل تعمل على قتل الفلسطينيين الذين يسكنون في القدس، و من ثم تُصدر حكما بهدم بيوتهم و حكماً آخراً بسحب الهوية من أهلهم ، هذا الشيء خطير جدا فهو يعني إخراج الفلسطينيين من القدس إلى الضفة الغربية، و هذا هو بداية إفراغ القدس من السكان العرب بطريقة قانونية إسرائيلية ، هذا الشيء طالما إسرائيل كانت تنتظره هي الآن تنفذه.

ثانياً موقف الفصائل الفلسطينية التي اتخذت من الصمت موقفاً ، فالفصائل الفلسطينية تركت الشعب الفلسطيني في مقدمة المواجهة و اكتفت بالمباركة بما يقوم به الشعب، و هذا يدعونا للتساؤل ما هي مهمة الفصائل الفلسطينية على الساحة الفلسطينية ، و إلى ماذا تريد أن تصل ، و ماذا ستستفيد من موقفها الرمادي.

 

 

 

ثالثاً إن الشعب الفلسطيني لا ينتظر الجيوش العربية فقد أدرك الفلسطينيون ماذا قد تفعل الحكومات العربية ، تلك الحكومات التي إن أرادت أن تفعل شيئا فهي تعقد اجتماعاً لجامعة الدول العربية و تخرج علينا بشجب و استنكار و إدانة ، و من يقول إن الوضع الإقليمي هو وضع لا يسمح للدول العربية أن تفعل شيئا لفلسطين ، فهذا الكلام مرفوض؛ لأنه قبل أن يتغير الوضع الإقليمي لم يكن هناك أي تحرك للجيوش العربية ، فموقف الحكومات العربية المُوقِّعة لمعاهدت السلام مع إسرائيل هو موقف واضح لا يتغير إلا بتغير الحكومات.

 

 

رابعاً إنَّ الانتفاضة لم تأتِ لتحقق هدفاً واحداً و هو الصلاة في المسجد الأقصى ، فالصلاة هي حق للجميع في الأقصى و كنيسة القيامة ، بل أتت الانتفاضة لتغيير الواقع تماما، و إذا قُدِّرَ للانتفاضة أن تستمر فسنرى أنها حققت ما عجزت عن تحقيقه المعاهدات ، فالانتفاضة لها أهدف أكبر من القدس فهدفها فلسطين التاريخية كاملة، و إنَّ أي التفاف على الانتفاضة سيؤدي إلى نتائج عكسية لا أحبذ ذكرها الآن في هذا المقال ، فهناك من يتمنى أن يتم وأد الانتفاضة و القضاء عليها.

 

 

خامساً إنّ البعض يتساءل عن الانتفاضة و ماذا حققت إلى الآن ، فهذه الانتفاضة حققت ثلاثة أشياء مهمة أولها ضرب منظومة الأمن الإسرائيلي و هذا أهم شيء ، ثانيا هي حققت إنجازاً على الصعيد الاقتصادي ، فهناك خسائراً كبيرة قد لحقت بإسرائيل من هذه الانتفاضة ، و الخسائر الاقتصادية في الانتفاضة أكبر من الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية في الحرب الأخيرة على غزة العام الماضي و التي استمرت لأكثر من خمسين يوما.

 

 

 

و هنا لا أتحدث عن الخسائر في استخدام السلاح؛ لأن ميزانية الحرب و الأسلحة تختلف عن الاقتصاد اليومي الإسرائيلي ، الشيء الأخير هو الحد من هجرة الصهاينة الذين يعيشون في أوروبا من الهجرة إلى فلسطين، و أصبح هناك أيضاً تفكير لدى بعض المستوطنين بالهروب من فلسطين ، فقد أصبحت فلسطين في نظرهم تشبه جهنم.

 

 

 

سادساً إنَّ الانتفاضة ليست بالضرورة أن تحقق أهدافاً في الوقت الحاضر فقد تحقق أهدافاً في وقت قريب أو بعيد بعض الشيء و يمكن لها أن تستمر أكثر مما يتم تخيله ، أتذكر هنا قول جورج حبش، إذ قال عن الثورة الفلسطينية: ” إن ثورتنا قد تستمر مائة عام فعلى قصيري النفس التنحي”.

 

 

في النهاية فلسطين باقية ، والفلسطيني يُشبه طائر الفينيق ، فالفلسطيني بالرغم من كل ما مرَّ به يخرج من تحت الركام و يقاتل ، وإنَّ الانتفاضة إن توقفت فهي لن تتوقف إلى الأبد ، فهي مجرد أنها ستتوقف قليلا ، لتبدأ من جديد بطريقة جديدة و مختلفة و أكثر حدَّة ، و أكثر أمدا .

قال الشاعر علي محمود طه :

 

فلسطينُ يفدي حِماكِ الشبابُ … وجلّ الفدائي و المُفتـدى

فلسطين تحميكِ منا الصدور … فإمًا الحياة وإمــا الرَّدى

هذه هي الثقافة الفلسطينية، و الروح الفلسطينية التي لم و لن تتوقف عن الدفاع عن فلسطين .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات