كتاب يصف ما لا يذكر في مصادر التاريخ، من كتب، وصحف، وبرامج وثائقية، يتناول أحداث التاريخ من أواخر القرن السابع عشر، حتى النصف الثاني من القرن العشرين.

مؤلفه وليم غاي كار، كان ضابطًا في المخابرات الملكية البريطانية سنة 1916م، ونُقل إلى سلاح الغواصات، فتدخل لمصلحته «وايزمان» لينقل من المكتب الحربي إلى وزارة الإعلام، ثم إلى المكتب الصهيوني، في أواخر العام 1916م، مما يدل على معرفته العميقة للموضوع الذي يكتب عنه.

يتحدث عن روتشيلد وإمبراطوريته المالية، والألاعيب التي اتبعها في جمع ثروته، وعن أهم الشخصيات في ذلك القرن، كما ذكر الحروب الأهلية في إسبانيا وأمريكا، والحربين العالميتين، الأولى والثانية.

وختم بتنبؤات عن الحرب العالمية الثالثة، التي ستثيرها إسرائيل في المشرق العربي، وذكر النورانيين، والماسونيين، والصهيونية، ويورد خطتهم في النظام العالمي الجديد، وخططهم طويلة الأمد، التي يجري تعديلها بناء على تغير التكنولوجيا وتطورها.

وجدت أن المؤلف كتب الكتاب بنظرة رجل دين مبشر، وليست نظرة سياسي محنك وعسكري خاض زمام الأحداث في موقعه، يتجاهل جميع الأديان وكأنها غير موجودة، ويحارب أي انفتاح ويتهمه بالعلمانية، كما يصف الثورات العمالية بحركات نورانية منظمة ومنهجية لإسقاط الدين والقيم، ويبدي تعاطفًا للعائلات الملكية التي أزاحتها الشعوب الثائرة، ويتعاطف مع رجال الدين الذين حوكموا وعذبوا في هذه الثورات، متجاهلًا حاجة الشعوب إلى التغيير والتطوير، والأخطاء التي وقعت فيها العائلات الملكية في ذلك العهد بحق شعوبها، والإساءات التي قام بها بعض رجال الدين في ذلك الوقت وما قبله، وهنا لا أبرر الجرائم وسوء معاملة الأفراد، لكن موثق التاريخ عليه عدم الانحياز لجهة على حساب أخرى، ويذكر مساوئ جميع الأطراف وإيجابياتها.

لم يأت على ذكر الثورة العسكرية في الدولة العثمانية والثورات الأخرى، التي دارت فيها، في الوقت الذي يتحدث كتابه عن أهم الأحداث التاريخية حتى عام 1950، علمًا بأن الدولة العثمانية الإسلامية كانت ثقلًا عسكريًّا في الحرب العالمية الأولى، كانت قد التزمت الحياد أول الأمر، ثم انحازت لألمانيا؛ حتى تضمن وسيلة لمنع أوروبا التوسعية من انتزاع مزيد من الأراضي العثمانية.

وقد مكن دخول العثمانيين الحرب ألمانيا والنمسا – اللتين كانت قواتهما أقل عددًا وعدة من قوات الحلفاء- من الاستمرار في القتال سنتين إضافيتين، ولولا العثمانيون لانتهت الحرب عام 1916.

ولم يأت على ذكر أتاتورك وإعلانه الجمهورية التركية عام 1922م، ونفيه العائلة العثمانية وتغيير اللغة التركية، وكأن الدولة العثمانية كانت أبعد ما يكون عن تفكير المؤلف، وهذا يدفعني للتساؤل: ماذا لو أن هذا الكتاب جزء من نظرية المؤامرة على المشرق العربي، ووسيلة أخرى من وسائل النظام العالمي الجديد؟!

ولماذا سيسمح له النوارنيون، والماسونيون، والمرابون العالميون، بنشر هذه المعلومات، في حين أنهم يريدون للعالم كله أن يكونوا رعايا لهم (غوييم)، يسيرونهم وفق ما يشاؤون؟ خصوصًا أن له مؤلفات أخرى تتحدث عن هذا الموضوع نفسه، هل هم عاجزون عن وقف نشر مؤلفاته؟

وما يؤكد عدم موضوعية المؤلف، تعاطفه مع الفاشية التبشيرية التي هي ضد الشيوعية، وقمعه للنازية الآرية لأنها علمانية، وتعاطفه مع اليهود شعبًا، ومهاجمته المنظمات الصهيونية، نوعًا من التماس الضوء الأخضر من جماعات يهودية مناهضة للصهيونية، وقد يكون له أيضًا مآرب أخرى في دولة المؤامرات، التي خطط لها منذ مئات السنين.

إن ما يحدث في عالمنا الحديث لا يحتاج إلى كل ذلك التهويل، ونظرية المؤامرة قد أخذت أكبر من حقيقتها، فعند مراجعة التاريخ ستجد أن الأحداث تتكرر، ففي زمن الدولة اليونانية والدولة الفارسية حدثت معارك ضخمة، مثل معركة تيرموبيل عام 480 قبل الميلاد، والحروب الساسانية (602- 628م) بين الروم والفرس، والمعارك (الفتوحات) الإسلامية، مثل فتح القسطنطينية عام 1453م، العالم منذ بدء الخليقة يتناحر تناحرًا شرسًا على سيادة العالم، ومن يخضع المزيد من الأراضي والثروات لسلطته، وسيظل يتناحر سادة العالم على حساب الضعفاء وعامة الناس، الذين يقنعهم قادتهم بأن الحروب التي يدخلونها هي من أجل نشر دينهم للعالم كله، وإذا ما فازت دولتهم، وانتشر دينهم؛ سيحل السلام في العالم، وتدخل البشرية أجمع الجنة، ولكن الواقع هو السيطرة، وزيادة السلطة والسيادة لجماعة ما، أو تنظيم معين، ولا يكون ذلك إلا من خلال بسط النفوذ العسكري والسياسي، والتحكم بموارد البلد الآخر الاقتصادية، والثقافية، وتوجيهها بما يخدم مصلحة البلد الأقوى، سنة الله في الأرض، دول تقوى وتكبر، وأخرى تموت وتنتهي، إلى ما شاء الله.

العرب ونظرية المؤامرة:

إن العرب لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يستوعبون، وإذا استوعبوا لا يطبقون، وإذا طبقوا لا يأخذون حذرهم. *موشيه دايان

صدر الكتاب عام 1955م، منذ ذلك العام ألم يقرأه العرب؟!

على كل عربي قراءته، للوعي، للفهم، لمعرفة أين نحن، لو كان العرب تناولوه بقراءة واعية؛ لتغيرت كثير من الأحداث، أهمها الحروب الطائفية والحزبية، والانقسامات السياسية، لكانوا حقنوا كثيرًا من الدم العربي، لو فهموا ما كتب فيه لزاد الوعي أننا قادرون، بالبدء بتغيير الفكر، والخروج من حلقة الضعيف المهزوم، الذي تقوده سلاسل الغرب والانفتاح غير المشروط، إلى وعي بتقبل الاختلاف، وتأكيد ثقافة احترام الحوار مع الآخر، ذلك من شأنه توحيد الصف، والذوبان في المصلحة العامة لكل الأطياف، وأيضًا رفع الثقة لدى المواطن البسيط أنه قادر على التقبل والرفض، وله حرية الفكر والاختيار، هذه الحريات الواعية التي ننشدها من أجل مجتمع قادر على اللحاق بركب المجتمعات المتقدمة، وحجز مقعد له على طاولة دول العالم الأول.

إننا نعاني اليوم من إنسان عربي انساق بكل كيانه وهويته لعقلية المؤامرة، حتى بات يعلق أبسط عراقيل حياته الشخصية على المؤامرة، ويعيش على ماضٍ لن تعود أمجاده، وبين نسبة المجد – الذي كان يومًا ما- إما للدين وإما للعرب، تضيع أفكارنا البناءة في متاهة الحروب الأهلية، والطائفية، والعنصرية، ونركض لاهثين ننشد السلام والعدالة في بلاد استنزفت ثقافتنا وثرواتنا، فنجد أنفسنا قد وقعنا في متاهات أكبر.

نحن من نصنع مؤامرة أكبر بالجهل وانعدام الفهم لما يكتب وينشر حولنا، لقد غيبنا فكرنا الواعي تمامًا، وتعلقنا بكل ضعفنا في وهم أكبر من واقعية المؤامرة، وأصبحنا نحن حجرًا من أحجار رقعة الشطرنج، وإلى أن نستيقظ ونترك الرقعة حديث آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد