الأكيد أننا أدركنا أن ثورة (25) يناير قد فشلت والحمد لله، الذي لا يحمد على مكروه سواه، لكن غير الأكيد أننا عرفنا ما هو سبب فشلها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأحد الأسباب الرئيسية لفشل الثورة وما بعدها – من وجهة نظري – هو: المزايدة، المزايدة السياسية من الجميع وعلى الجميع.

لم يكن أحد من الساسة يريد أن يقول ما هو مقتنع به تمام الاقتناع، أو ما ينبغي أن يقال، أو يصارح الناس بحقائق الأمور. كان الواقع شيئًا، والمطالبات والأحلام والشعارات شيء آخر تماما.

سارت مشرِّقة وسرت مغرِّبا * * * شتّان بين مشرِّق ومغرِّب

تجد الواحد من السياسيين يطالب بمطالب غير معقولة يقينا، فما يكون من الآخرين إلا أن يفعلوا مثله، أو ربما يزيدون عليه فيطالبون بما هو أكثر، طمعا في مزيد من الجماهيرية، وخوفا من الحملات الإعلامية المضادة.

وإذا كان الفقه الإسلامي قد حرم (بيع النَجْش) ضمن البيوع المنهي عنها – وصورته أن يشارك إنسان في بيع المزايدة ولا غرض له في شراء السلعة، ليرفع ثمنها على المشتري – فينبغي أن تمنع المزايدات في مجال السياسة، أو على الأقل يدرك العقلاء من الساسة: أن المزايدة ليست الحل، وأنها لا يأتي من ورائها خير.

بدأ سوق المزايدات السياسية مبكرا قبل أن يغادر مبارك قصر الرئاسة، فبينما ذهب من ذهب من الشباب وغيرهم للتفاوض مع عمر سليمان بمشورة قادة الميدان وعلمهم، إلا أن ذلك لم يحل دون إطلاق تهم التخوين بحقهم، واستمرت المزايدة استراتيجية وحيدة للساسة المصريين، الكل يزايد على الكل، الكل يتهم الكل، مرة تتم المزايدة باسم الثورة، ومرة باسم الدين، ومرة باسم الوطنية، أنا الثائر الخالص الوحيد الأمين على الثورة ودماء الشهداء.

تم ذلك في الاستفتاء الأول، وفي المليونيات الأسبوعية، ومليونية الشريعة والشرعية، وفي الانتخابات البرلمانية، وفي الانتخابات الرئاسية، وفي الجمعية التأسيسية، وفي كل موقف أو موطن مرت به الثورة والنظام السياسي بعدها حتى مجيء الانقلاب.

الليبراليون يزايدون على الإسلاميين وخاصة الإخوان بأنهم ركبوا الثورة واستغلوها، رغم يقينهم بدورهم الفاعل في نجاح الثورة، ويرونهم غير أهل للحكم حتى لو أتت بهم الصناديق.

ومرشح مثل د. عبد المنعم أبو الفتوح أفقدته مزايدته السياسية في المناظرة عددا كبيرا من مؤيديه، فقد زايد على تفسير المادة الثانية من الدستور، هل هي مبادئ الشريعة الإسلامية أم أحكامها؟ وزايد على الحالة الصحية لمرشحين آخرين.

وكذا وقع الإخوان في المزايدة، وتجلى ذلك بأوضح ما يكون في الانتخابات الرئاسية، فعبد المنعم أبو الفتوح ينافسهم في صورة مرشح الإسلام الوسطي، فما كان منهم إلا البحث عن حصة انتخابية أخرى، بتبني خطاب (سلفي)، وجلوس مرشحهم مع هيئة الحقوق والإصلاح، وخضوعه لاختبار الدعوة السلفية للحصول على صك بركة التأييد في الانتخابات. فلما كانت الجولة الثانية، عاد الإخوان إلى منطقتهم الوسط، وتبنوا الخطاب الوسطي التجميعي.

وفي مجلس الشعب، ومع مزايدة حزب النور بأن يكون (60) فردًا من أعضاء التأسيسية من مجلس الشعب، استجاب الإخوان ورفعوا النسبة من (40) إلى (50)، وحصل الأمر نفسه في المادة (219)، رغم عدم إيمانهم بعدم جدواها.

العجيب أن الانقلاب قضى على العملية السياسية برمتها، لكنه لم يقض على المزايدة السياسية، بل زاد سوقها رواجا، لدرجة أنه عندما تخرج صورة تجمع د. جمال حشمت جالسا على طاولة واحدة مع ياسر الهواري، الذي كان يدافع عن الانقلاب، يصدر د. جمال بيانا ينفي اللقاء، ويذكر أن الصورة لم يستأذن مصورها أو ناشرها. ما العيب أن يقول د. حشمت: نحن نتكلم مع الجميع من أجل مصلحة الثورة ونتناقش ونتجادل مثلما نتناقش على شاشة الجزيرة.

ومنذ عدة أيام قرأت بيانًا للدكتور عمرو دراج يعلن فيه أنه متمسك بعودة الرئيس مرسي، وكان الدافع الأساسي لإصدار هذا البيان هو دفع المزايدات، حتى نص على ذلك في صدر البيان: (كثرت المزايدات والأقاويل التي تدعي علينا زورا وبهتانا أننا نتنازل عن شرعية د. مرسي …)، وكذا قرأت بيانا (شرعيا) يقرر أنه لا يجوز للدكتور مرسي نفسه أن يتنازل!

يا أقطاب المعارضة، صارحوا الناس بالحقائق، وقولوا لهم: إن الرئيس مرسي هو الرئيس الشرعي المنتخب، ونحن في ثورة، وسنفعل ما فيه صالح الثورة، ولو كان تنازل الرئيس عامل نجاح للثورة، فهو نفسه لن يتأخر عن ذلك، وكل شيء قابل للتفكير والموازنة.

ويا متمسكين بعودة مرسي، ويا معارضين لها، كفانا مزايدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجلس الشعب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد