لا شك أن أنهار الدماء التي سالت وما زلت تسيل من الأمة في مشارق الأرض ومغاربها تؤلمنا، ونتقطع كمدًا ونحن نرى مسلمي العراق وسوريا ومصر والرهينجا والصين وباقي المسلمين المستضعفين في بقاع الأرض وهم يُنحرون ويقتلون بدم بارد!

الأطفال تُيتم، والعوائل تُهجر، والبيوت تهدم على روؤس ساكنيها، وتُجرف الأراضي والبساتين، وتصادر حقوق المسلمين هنا وهناك، في هجمة شرسة لم يسبق لها مثيل، ولم نقرأ مثلها في التاريخ.

ولا شك أن هذه الهجمة الشرسة تعكس قلق وخوف المهاجمين المعتدين ومن ورائهم، وشعورهم بدنو آجالهم ونهاية تسلطهم وتجبرهم وقرب زوال ملكهم، وكأن لسان حالهم يقول خير وسيلة للدفاع هي الهجوم!

وعندما نعمق البحث عن أسرار هذه الهجمة الشرسة نجد أن من أهم أسبابها هو الوعي الفكري المتصاعد عند الأمة، ومعرفتها واداركها بحقيقة الصراع الدائر من حولها، ومكانتها فيه، وكشف أقنعة المتآمرين عليها، وتفاعلها مع بعضها، والذي يعكس بداية نهضتها من جديد، وهو ما يخشاه أعداء هذه الأمة من الغرب والشرق، فلا شك أن ثورات التغيير التي قامت على الأرض قد سبقتها ثورات فكرية عند شعوبها، حتى تلك الأمم الكافرة التي انتفضت وطالبت بالتغيير سبقتها تحولات فكرية دفعتها للثورة وسهلت لها عملية التغيير مثل الثورة الفرنسية وغيرها، وهو ما تعيشه الأمة اليوم من خلال معرفتها وإدراكها بما يدور من حولها، الأمر الذي أرعب أعداءها خشية عودة الأمة قويةً متماسكةً كما كانت، وهو ما يفسر بشكل كبير سر هذه الهجمة الشرسة المسعورة على الشعوب المسلمة في بقاع الأرض.

إن الركون للمنظمات والهيئات الدولية والتعويل عليها بحجة تدويل القضية الإسلامية، وترك واجب المواجهة وخوض المعركة، هو تخدير للأمة عن النهوض بواجبها المقدس في استعادة مكانتها الريادية على الأرض، بخاصة ونحن نعلم علم اليقين أن هذه المنظمات والهيئات ما هي إلا أدوات بيد النظام الدولي يحارب بها أمة الإسلام، وقد كشف الله سترها وفضح عورتها عندما تعاملت مع الملف العراقي والسوري بازدواجية واضحة.

إن التحالف الغربي – الإيراني ضد الأمة على الرغم من خلافاتهم وتقاطعاتهم العميقة جاء نتيجة إدراكهم خطورة وحساسية المرحلة التي تنذر باقتراب خطر كبير يهدد وجود إمبراطورياتهم قد بانت ملامحه في تفاعل الأمة الأسلامية مع قضاياها في مشارق الأرض ومغاربها، الأمر الذي أوجب عليهم الاستنفار والتحالف على الرغم من تعارض مصالحهم وتضاربها منذ آلاف السنين!

إن الغرب بعمومه ينظر للشعوب المسلمة بمنظور واحد ولا يفرق بين قومياتهم وأوطانهم، وما يخشاه هو إلتحام هذه القوميات والأوطان في مشروع جامع مانع يمثل إرادة الأمة المسلمة بشكلها العام، تذوب فيه القوميات والأعراق. إن جذور الحقد الغربي تمتد لسقوط الإمبراطورية الرومانية الأولى، والتي كانت تحكم أجزاء كبيرة من الأرض حتى أجبرت على دفع الجزية وهزمت أمام الجيوش الإسلامية الثائرة ضد الظلم والطغيان العالمي آنذاك.

والحال نفسه بالنسبة للفرس المجوس الذين امتد حقدهم منذ أن أسقط المسلمون إمبراطوريتهم الفارسية في العراق ودخل خالد بن الوليد العراق فاتحًا ومحررًا وقتل منهم قتلًا عظيمًا وأجلاهم إلى فارس.

الفرس نفسهم الذين كانوا يستعبدون العرب ويذلونهم ويستحقرونهم ويستنكفوا حتى من قتالهم!

ومن هنا يتبين لنا حقيقة الصراع الذي نعيشه اليوم في منطقتنا مع جبابرة الأرض من الغرب والشرق، فهو امتداد لتلك الحقبة التي ساد المسلمون فيها الأرض ونشروا دينهم وعم العدل الأرض بعد أن كان الروم والفرس يتقاسمون نفوذها، ويستعبدون أهلها ظلمًا وجورًا، كما يتبين لنا أيضا حقد الروم والفرس اليوم على جميع العرب والمسلمين، لا يفرقون بين بلدانهم وحدودهم.

فالصراع لم ينقطع بيننا وبين الغرب من جهة، وبيننا وبين الفرس من جهة أخرى، إلا في نظر السذج والمغيبين عن الواقع الحقيقي، ولن ننجح في إدارة هذا الصراع إلا بما نجح به الأولون عندما كانوا يتمسكون بدينهم قولًا وعملًا، ففتح الله على أيديهم بلاد فارس والروم.

وصراعنا معهم لن ينتهي ولن نستطيع هزيمتهم بكثرة العويل والبكاء، كما أننا لن نستطيع خوض معركتنا معهم بأدواتهم التي يسيطرون عليها ويديرونها من المنظمات والهيئات الدولية وغيرها!

نحن داخل ساحة الصراع ويقينا لن نخرج منها إلا بما وعدنا الله به، وإنما النصر صبر ساعة.. فشدوا الهمم.. واتركوا العويل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد