لقد ظل الإنسان يُماطل عدة قرون. حتى فنانين غزيري الإنتاج مثل «فيكتور هوجو» ليسوا بمنأى عن الإلهاءات اليومية. فقد كان المؤلف الفرنسي الشهير قد اتفق مع ناشره على أنه سيكتب كتابًا جديدًا بعنوان «أحدب نوتردام- The Hunchback of Notre Dame».
وبدلًا من كتابة الكتاب، أمضى هوجو العام التالي في مُتابعة مشاريع أُخرى، وتسلية نفسه، وتأخير عمله على النص. وأصيب ناشر هوجو بالإحباط بسبب تسويفه المتكرر، وكان رد فعله لذلك أن قام بتحديد موعدٍ نهائي هائل. طالب فيه الناشر بأن يقوم هوجو Hugo بإنهاء الكتاب في أقل من ستة أشهر.
المُماطلة في الحقيقة هي حالة التصرُف ضد قرارك الأفضل. وذلك عندما تفعل شيئًا على الرغم من أنك تعرف أنه يجب عليك أن تفعل شيئًا آخر. المُماطلة هي وُجود شيءٍ يمنعك من مُتابعة ما تنوي القيام به.
والسؤال الآن: لماذا نضع الخُطط ونحدد المواعيد النهائية ونلتزمُ بالأهداف، ولكن بعد ذلك نفشل في اتباعها؟ لماذا نصمم الخُطط، ولكن لا نتخذ إجراءات؟
أحد التفسيرات لماذا تحكم «المُماطلة» حياتنا، له علاقة بالاقتصاد السلوكي الذي يطلق عليه «عدم تناسُق الوقت». يشير عدم الاتساق الزمني إلى ميل الدماغ البشري إلى تقدير المكافآت الفورية أكثر من المكافآت المُستقبلية.
عندما تضعُخططًا لنفسك –مثل تحديد هدفٍ لفقدان الوزن أو كتابة كتاب أو تعلُّم لغة– فإنك في الواقع تضع خططًا لمستقبلك الذاتي. أنت تتخيل ما تريد أن تكون عليه حياتك في المستقبل، وعندما تفكر في المستقبل، من السهل على عقلك أن يرى القيمة في اتخاذ إجراءاتٍ ذات فوائد على المدى الطويل.
ولكن عندما يحين الوقت لاتخاذ القرار، لن تختار لنفسك المستقبل. أنت الآن في هذه اللحظة وعقلك يفكر في الذات الحالية. وقد اكتشف الباحثون أن الذات الحالية تحب الإشباع الفوري، وليس المردود على المدى الطويل.
هذا هو أحد الأسباب التي تجعلك تشعر بالسعادة عندما تكون متحمسًا لإحداث تغييرٍ في حياتك، ولكن عندما تستيقظ، تجد نفسك تسقُط في أنماطك القديمة. يقدر دماغك الفوائد على المدى الطويل عندما يفكر في المستقبل، ولكنه يفضل الإشباع الفوري عندما يتعلق الأمر باللحظة الراهنة. وهذا هو السر في أن أغلب البشر مُماطلين.
وهذا أيضًا هو السر الذي في أن القُدرة على تأخير الإشباع الفوري يعتبر بمثابة مؤشر كبير للنجاح في الحياة. يمكن أن يساعدك فهم كيفية مُقاومة الإشباع الفوري –على الأقل في بعض الأحيان، إن لم يكن باستمرار – في سد الفجوة بين مكان وجودك، والمكان الذي تريد أن تصل إليه.

كيف نتغلب على المُماطلة؟

نعود إلى قصة هوجو، فما الذي فعله حتى استطاع إنهاء الكتاب في ستة أشهر؟! لقد طور هوجو خطة للتغلب على تسويفه. لقد جمع كل ملابسه وأزالها من غرفه كلها وأقفل عليها بعيدًا. بذلك ترك كل ثيابه بعيدًا باستثناء شالٍ كبير. كان هوجو يفتقر إلى أي ملابس مناسبة للخروج، ولم يعد يميل إلى مُغادرة المنزل وتشتيت انتباهه. البقاء في الداخل والكتابة كان خيارهُ الوحيد. وأخيرًا، لقد عملت الاستراتيجية ونجح.

 عندما قام فيكتور هوجو بحبس ثيابه حتى يتمكن من التركيز على الكتابة، كان يخلق ما يشير إليه علماء النفس بـ«جهاز التزام» بمعنى أن تُلزم نفسك بإجراءٍ فجائي وسريع. وسأُعطيك أمثلة لتفهم أكثر هذا الجهاز:

يمكنك التوقف عن إضاعة الوقت على هاتفك من خلال حذف الألعاب أو تطبيقات التواصل الاجتماعي، أو تغيير هاتفك بهاتف بسيط. يمكنك تقليل احتمالية تصفح القنوات بلا طائل عن طريق إخفاء جهاز التلفزيون في الخزانة. هذه هي أجهزة الالتزام.
تختلف الظروف، ولكن الرسالة واحدة: يمكن أن تساعدك أجهزة الالتزام في تصميم إجراءاتك المستقبلية. ابحث عن طرقٍ لأتمتة سلوكك مسبقًا بدلًا من الاعتماد على قوة الإرادة في الوقت الحالي. كن مهندس أفعالك المستقبلية، وليس ضحية لها.
أدمغتنا تفضل المكافآت الفورية على المكافآت طويلة الأجل. هذه ببساطة هي كيفية عمل عقولنا. في ظل هذا الاتجاه، يتعين علينا في كثيرٍ من الأحيان اللجوء إلى استراتيجيات مجنونة لإنجاز الأمور –مثلما حبس فيكتور هوجو جميع ملابسه حتى يتمكن من كتابة كتاب- ولكنني أعتقد أن الأمر يستحق قضاء بعض الوقت في بناء أجهزة الالتزام الخاصة بك، إذا كانت أهدافك مهمة بالنسبة لك حقًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد