ماركيز لم يكتب مئة عام من العزلة وحسب، بل كتب مئة عام من كل شيء.. كتب مئة عام من الإنسانية، من العنف والحب، من البساطة والتعقيد، من اللهو والتقشف، من النقاء والقذارة، من التمرد والثورة، من العلاقات الفريدة، من الاعترافات السامية، ولا أحد يستطيع أن يوفي هذه الرواية حقها في مقال واحد، لذلك هذا المقال على ما فيه من ملاحظات على بعض حرفيات الرواية، لكني لا أعتبره سوى نشر لمجموعة وقفات دوّنتها.. نشر لبعض اللحظات التي خلدها ماركيز بعبقريته الفذة.

ومع ذلك، وقبل أن يصل إلى بيت الشعر الأخير، كان قد أدرك أنه لن يخرج أبدًا من هذه الغرفة، لأنه مقدر لمدينة المرايا (أو السراب) أن تذروها الرياح، وتُنفى من ذاكرة البشر، في اللحظة التي ينتهي فيها أوريليانو بوينديا من حلّ رموز الرقاق، وأن كل ما هو مكتوب فيها لا يمكن أن يتكرر، منذ الأزل إلى الأبد، لأن السلالات محكومة بمئة عام من العزلة، ليست لها فرصة أخرى على الأرض.

لن أنسَ يومًا الجرأة المتهورة التي اجتاز بها خوسيه أركاديو بوينديا سلسلة الجبال كي يؤسس ماكوندو، ولا تبلّده وارتباطه المؤثر بشجرة الكستناء قبل موته. لن أنسَ عناد أورسولا الأرعن الذي ضمنت به استمرار السلالة، ولا بساطة ريميديوس الجميلة وفلسفتها في الحياة وجمالها الساحر. لن أنسَ انتحار بيترو كريسبي أو إعدام أركاديو. لن أنسَ شعور الدون أوريليانو بوينديا عندما رأى ريميديوس أولَ مرة، ولا الغرور الأعمى الذي شنَّ به حروبه العقيمة، ولا صداقته الغريبة للجنرال خوسيه راكيل مونكادا.. لن أنسَ أيَّ تفصيلة من تفاصيل مئة عام من العزلة.

تكنيك السرد الروائي

اختار ماركيز تيار الوعي الداخلي كمحور أساسي تقوم عليه باقي تفاصيل السرد، والنظرة السطحية للرواية ستنتج تناقضًا كبيرًا لأنه بينما يتطلب هذا الأسلوب الكثير من التكثيف السردي والاختصار، لكن حجم الرواية لا يقول ذلك بتاتًا، وإذا ما نظر القارئ لحجم الرواية سيظن أن السرد فيه الكثير من الترهل، لكن إذا نظرنا لفقرة واحدة وحاولنا اختصارها فلن نستطيع أكثر مما هي عليه، وبعيدًا عن تلك النظرة السطحية لن نصل إلى أن هذا الأسلوب هو الأنسب وحسب، بل إننا سنصل إلى كل تفاصيل السرد العبقرية التي يتحلى بها ماركيز بكل كفاءة.

بعد سنوات، وبينما هو على فراش الاحتضار، سيتذكر أوريليانو الثاني تلك الأمسية الماطرة من حزيران، حين دخل غرفة النوم، ليرى ابنه الأول. وبالرغم من أن الوليد كان هزيلًا وبكَّاءً، وبلا أي ملمح من ملامح آل بوينديا، إلا أنه لم يضطر إلى التفكير مرتين في الاسم الذي يطلقه عليه:
– سيُدعى خوسيه أركاديو.
وقد وافقته فرناندا دل كاربيو، المرأة الجميلة التي كان قد تزوجها في العام السابق.

في هذه الافتتاحية لأحد الفصول، سرد ماركيز ست أحداث كاملة قد يسردها آخر في صفحة أو أكثر.. وهذا مثال على ما أشرت إليه من التكثيف السردي.

علاقة الصداقة العدائية

على صعيد فكرة العلاقات الإنسانية المؤثرة، خلق ماركيز علاقة غريبة بين الدون أوريليانو بوينديا والجنرال خوسيه راكيل مونكادا، وإذا ما وصفناها لن نجد أنسب من صفة «الصداقة العدائية».

العداوة نابعة من الانتماء الحزبي للشخصيات.. فالدون أوريليانو بوينديا كان ليبراليًا، والجنرال خوسيه راكيل مونكادا كان محافظًا، لكن رغم العداوة لم ينسوا صداقة ما قبل الانتماءات الحزبية.. ولما الدون أوريليانو بوينديا قرر الرحيل للمرة الثانية ليدعم الثورة الليبرالية عيَّن الجنرال خوسيه راكيل مونكادا كحاكم لقرية ماكوندو باعتباره أنسب شخص لهذه الوظيفة، وفعلًا بدأت جهوده تأتي ثمارها وتتحول ماكوندو من قرية إلى محافظة، وتبدأ علاقة ألفة تنشأ بين الجنرال وأورسولا (أم الدون أوريليانو بوينديا) باعتباره كان صديقًا لابنها.

بعد سنوات يقرر الدون أوريليانو بوينديا الرجوع للقرية ليعيد الحكم الليبرالي للقرية مجددًا، ويأتي القرار للجنرال مونكادا وهو في البيت عند أورسولا في مشهد لن يماثله جمالًا أي مشهد آخر في تاريخ الأدب مجددًا.. الجنرال مونكادا قرر محاربة الدون أوريليانو لاختلافهم الحزبي طبعًا، لكن لم ينسَ الصداقة.. فيقول لأورسولا وهو يودعها ليحارب الدون أوريليانو بوينديا (ابنها):

أرجو الله ألا تري اليوم أوريليانو في البيت. وإذا حصل ذلك، فعانقيه عني، لأنني لا أتوقع أن أراه إلى الأبد.

هذه الجملة تمثل صفة «الصداقة العدائية» التي وصفت بها هذه العلاقة. وبعد انتصار الدون أوريليانو على الجنرال مونكادا يجتمعان في البيت عند أورسولا باعتبارهم عائلة بعد انتهاء الحرب. وفي المشهد الأخير من هذا الفصل كان الجنرال مونكادا سيُعدم فيذهب له الدون أوريليانو موضحًا له أن الثورة هي التي أعدمته ليس هو، ويُذهل عندما يرى مدى هرمه، وارتعاش يديه، والإذعان شبه الروتيني الذي ينتظر به الموت، فيحتقر نفسه، ويقول لمونكادا:

أنت تعرف خيرًا مني أن المجالس الحربية ليست سوى مهزلة، وأنه عليك في الحقيقة، أن تدفع ثمن جرائم الآخرين؛ لأننا مصممون هذه المرة على كسب الحرب بأي ثمن.

فيسمع من الجنرال مونكادا بعد هذه الجملة أهم فقرة في علاقتهما:

ربما. لكن ما يقلقني ليس إعدامي، لأن هذه الميتة، في آخر المطاف، هي الميتة الطبيعية لمن هم مثلنا. ما يقلقني هو أنك لشدة كراهيتك للعسكريين، وطول مقارعتك لهم، وكثرة تفكيرك بهم، انتهيت إلى أن تكون مثلهم. وليس هناك في الحياة مثل أعلى أكثر جدارة بالاحتقار. إذا واصلت بهذه الطريقة، فلن تصير أشد الديكتاتوريين طغيانًا ودموية في تاريخنا وحسب، وإنما سيصل بك الأمر إلى إعدام أورسولا كي تهدئ ضميرك.

وينتهي المشهد بتفسير خفيّ مفاده أن تعب مونكادا وإذعانه للموت لم يكن بسبب إقباله على الإعدام، وإنما بسبب صديقه الذي بالنسبة له أصبح ديكتاتورًا!

البُهارات الوصفيّة

كثيرًا ما أجد التعبيرات المنمقة والتشبيهات المزخرفة التي تقطع جمال السرد وانسيابه كجدول ماء هادئ عندما تُوصف علاقات البشر.. وخصوصًا الحب، في هذه العلاقة بالذات أجد الكثير من التعبيرات التي تمتلئ بالألم أو الموت، مثل: «يموت بسببها»، أو «شعر بأن حبها يأكله من الداخل»، أو «وقع في حبها من النظرة الأولى»، وهلم جرًا على مثل هذه التعبيرات التي تشعرني وكأن الحب مغصٌ معوي يقتل الحبيب، أو نمل أحمر يأكله من الداخل، أو حفرة وقع فيها على غفلة! وقد ذكرت هذه العلاقة على سبيل المثال لا الحصر؛ لأن وصف ماركيز لهذه العلاقة هو أنسب وصف يمكن إدراجه كمثال على براعته.

دائمًا ما تتميز صفات ماركيز بالواقعية الساحرة، تعبيراته في مجملها لا تخرج عن وصف بسيط مكتوب بدون أي «بهارات وصفية» مبتذلة، هو فقط يصف بكل صدق.. وبدون اصطناع.

مثلًا يصف ماركيز حبَّ الدون أوريليانو بوينديا لريميديوس بطريقة فريدة بعدما رآها أول مرة:

كان إحساسًا جسديًا يضايقه في المشي، مثل حصاة صغيرة في الحذاء.

ربما قد يرى الكثير أن هذا التعبير عادي، لكن بالنسبة لي.. لم أقرأ وصفًا لشعور الحب أفضل منه، ربما لأنه صادق وخارج من قلب نقي.

عاشق مولع بالتفاصيل

عندما يصف ماركيز حدثًا خارقًا للعادة يميل للإسهاب في التفاصيل واستعراض الزمن دقيقة بدقيقة بشكل يعطي للحدث حقيقته الخاصة به، يقول إن هذه طريقة تعلمها من كونه صحافيًا يستخدمها للخداع، فمثلًا عند القول إن هناك فيلًا في السماء لن يصدق أحد، لكن القول إن هناك 425 فيلًا في السماء، قد يصدق البعض. وهذه الطريقة هي التي يستخدمها كثيرًا في الرواية باعتبارها منتمية إلى أدب الواقعية السحرية.

في حوار أُجري سنة 1981 لعدد مجلة باريس ريڤيو، يقول ماركيز:

عندما كنت صبيًا، كان رجل صيانة الكهرباء يأتي إلى منزلنا. أصابني الفضول تجاهه؛ لأنه كان يرتدي حزامًا يقيه من الصعقات الكهربائية. كانت جدتي تقول إنه في كل مرة يأتي هذا الرجل إلى المنزل، لا يغادر إلا وهو محاط بالفراشات. ولكن عندما قررت كتابة هذه القصة، اكتشفت أنني إذا لم أقل بأن الفراشات صفراء اللون، لن يصدقني أحد. عندما كنت أكتب عن رحلة ريميديوس الجميلة إلى الفردوس، استغرقني الأمر الكثير من الوقت لأجعل هذا قابلًا للتصديق. في يوم ما ذهبت إلى الحديقة ورأيت امرأة كانت تأتي إلى منزلنا لإنهاء أعمال الغسيل، وكانت تضع ملاءات السرير في الخارج لتجف بينما الرياح تعصف. كانت المرأة تتحدث مع الرياح وتقنعها ألا تأخذ الملاءات بعيدًا. اكتشفت حينها أنني إن استخدمت الملاءات مع ريميديوس الجميلة، سأنجح في جعلها تصعد. هكذا فعلتها وصدقني الجميع. مشكلة كل كاتب هي قدرته على إقناع القرّاء. أي كاتب بإمكانه أن يكتب أي شيء طالما أنه نجح في جعله قابلًا للتصديق.

من هذه الفقرة يتضح الكثير من طرق ماركيز في تطويع التفاصيل لخدمة الرواية وأحداثها، فمن منا لم يصدق بأن التأثير الخارق لعشيقة أوريليانو الثاني على مواشيه جعلها تتكاثر بشكل غير معقول، فكانت الأفراس تلد ثلاثًا، والدجاج يبيض مرتين كل يوم، والخنازير تسمن بسرعة غريب، فجمع ثروة هائلة في سنوات قليلة دون جهود تذكر؟! ومن منا لم يصدق بأن عاصفة مطرية استمرت حوالي خمس سنوات دون توقف، أو أن ريميديوس الجميلة طارت مع الملاءة بلفحة هواء وضياء مخلفة وراءها بيئة الهوام والزهور صاعدتين في الهواء إلى أن غابتا عن الأنظار في أطباق الجو، وغيرها من مشاهد تساقط الأزهار والفراشات الصفراء، وصولًا لولادة طفل بذيل خنزير؟!

نقطة ثانية مهمة هي أن ماركيز له قدرة فريدة على سرد التفاصيل الكثيرة بطريقة تجعلها ممتعة، بل لا تدري كيف لم تمل من كل تلك التفاصيل إذا ما فكرت في هذا، معظم الكتاب اللاتين لديهم هذه القدرة الفريدة على سرد التفاصيل كماريو بارغاس يوسا مثلًا، لكن التفاصيل التي يسردها ماركيز لها رونق فريد لن يستشعره سوى من قرأ له، وأنا لن أستطيع وصف هذا الشعور مهما قلت.

اقتراح لفك التعقيد الناتج من تشابه الأسماء

الكثير من القرّاء لديهم رهبة من هذه الرواية نتيجة لكثرة التعليقات المشيرة لصعوبتها واختلاط الأحداث، لكن بغض النظر عن أن أدنى قدر من التركيز سيفك هذا الالتباس، حتى إني لم أجد أي صعوبة في القراءة، فهناك حل بسيط يمكن اتباعه لحل هذا التعقيد وهو النظر للأسماء باعتبارها مركبة، يعني مثلًا «الدون خوسيه أركاديو بوينديا» اسم ثلاثي مركب لشخص واحد، بالتالي «خوسيه أراكاديو» اسم ثنائي مركب لشخص ثانٍ هو ابنه، و«أركاديو» اسم لشخص ثالث هو حفيده.. وهكذا مع باقي الأسماء مثل «الدون أوريليانو بوينديا» و«أوريليانو» و«أوريليانو الحزين».

وهـذه خـريـطـة لـكـل آل بـويـنـديـا تُـسـهـل الأمـر كـثـيـرًا:

أجدع من أي خاتمة

بجوار اللحظات التي تحدثت عنها سابقًا هناك لحظات أهم وأكثر تأثيرًا فيَّ منها، أولها هو ثورية الدون أوريليانو بوينديا، وثانيها هو شخصية أورسولا بكل تفاصيلها.. وبالذات رؤيتها الواضحة لكل شيء في كبر سنها رغم عماها، وما تلا هذه الرؤية من تحليلات للأحداث القائمة، وأحداث كثيرة أخرى كشركة الموز واغتيال الثلاثة آلاف عامل في المحطة وما تلاها من تأثير على تفكير خوسيه أركاديو الثاني، لكن مهما قلت عنهم فلن أستطيع كتابة أي شيء شامل، كما إنه لن يُوصِّل شيئًا من آثارهما فيَّ، لذلك أكتفي بالإشارة إليهما وحسب.

أعلم أن المقال لم يكن جيدًا ولا شاملًا بما يكفي، لكنني حاولت قدر المستطاع أن أبتعد عن الكلام المنتشر عن الرواية وعن التحليل العقلي لها، وكل ما كتبته خارجٌ من صميم قلبي، فمئة عام من العزلة بكل صدق هي أفضل عمل روائي قرأته إلى الآن.

يدهشني دائمًا عندما تحصل أعمالي على الكثير من التقدير بسبب الخيال الذي أستخدمه في كتابتها، بينما الحقيقة أنه لا يوجد سطر واحد فيها لا يملك أساسًا يصله بالواقع. المشكلة أن الواقع الكاريبي يجسّد أكثر الخيالات جموحًا.

هكذا قال ماركيز عن رواية مئة عام من العزلة في إحدى حواراته، ولا أجد خاتمة مناسبة أكثر من ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد