أيها الثائر الحر؛ قف لحظات وتأمل، لملم أوراقك وتمهل، رتب أفكارك لا تعجل، فالأمر عظيم وجليل. خذ عهدك صدقًا وبقوة، نفذ بثبات وفتوة، وتزود ثقة وأخوة، منهاجك محكم تنزيل.

أيها الثائر، أعد عدتك؛ زادك منها “فهم لقضيتك، إخلاص وجهتك، عمل دؤوب دون كلل أو ملل، جهاد لا راحة فيه، تضحية بكل غالٍ ونفيس، تجرد لفكرتك دون سواها، وطاعة لقادتك عن فهم ووعي، وثبات على مبادئك ثبات الشم الرواسي، وأخوة بينك وبين المخلصين هي حصنك الحصين وحبلك المتين، وثقة في ربك لا يطالها يأس ولا قنوط”، أنعم به من زاد! أبشر بعده ومعه بعز في الدنيا ونجاة في الآخرة بإذن الله.

هذه وقفة تأمل لك مع نفسك وإخوانك، حرر فيها مصطلحاتك، جدد فيها نياتك، راجع فيها مواقفك واتجاهاتك، جدد فيها وسائلك وطور فيها أدواتك، وقيم بعدها ذاتك.

كن في هذه الوقفة مع عناوين ست، قف معها على الترتيب، لا يسبق أحدها تاليه، عش الأول ثم الذي يليه، ونلتقي بعدهم في نهاية الطريق إن شاء الله، فإما أن نعيش عيش الشهداء، أو نفوز فوز الشهداء. هيا معًا نجمل النظرة أولًا، ثم نفصل فيما بعد:
١- هذه المعركة، ما طبيعتها؟
٢- قيمك ومبادئك، ذخيرتك وقوتك
٣- نيتك تحدد قيمتك
٤- من أنت ومن عدوك؟
٥- كيف السبيل إلى النصر؟
٦- كيف تقرأ بشارات النصر؟

الوقفة الأولى: (هذه المعركة، ما طبيعتها؟)

يزعم البعض أن ما يدور من صراع الآن، ما هو إلا تكالب بحت على السلطة والحكم والمغانم بين فئتين. وما الغرض الخبيث من هذه الدعوى إلا التحقير من شأنها في نفوس العامة وإقناعهم بأنها “دنيا فانية يتكالب عليها طرفان، إذن فلندع لهم الساحة معًا ولنقف على الحياد”. هذا في أحسن الأحوال طبعًا. أما أسوأها فهو تحميل الإسلاميين عامة والإخوان منهم على وجه الخصوص كل التبعة، لأنهم – حسب فهمهم المضلل- يتنازعون الدنيا ويتاجرون بالدين ويسيئون للإسلام ويستغلون حب الناس للدين بهدف تحصيل مغانم دنيوية حقيرة. لذا، وجب وضع النقاط على الحروف، لتكون تصحيحًا للمفاهيم عند العامة يقوم به أبناء الحركة الإسلامية بالحكمة والموعظة الحسنة. فما هو إذن أصل الصراع؟

الصراع الذي نعيشه الآن:

* صراع هوية وعقيدة، لا سياسة وثقافة:

ليس الصراع القائم الآن – في أصله- سياسيًّا بحال، لو كان سياسيًّا فقط لكان التنافس فيه عبر برامج انتخابية، وصناديق اقتراع، ونجاح أو فشل مشروع محدد سلفًا. لكانت ساحته مقرات الأحزاب وزخمها التوعوي. لكان مجاله رضا وقناعة الجماهير عن الرؤى والأفكار. لكانت أدواته المؤتمرات والندوات والمناظرات وغير ذلك من أدوات معتبرة. إنما هو في الحقيقة صراع هوية إسلامية يراد محوها.

صراع عقيدة صادقة يخطط لتشويهها. صراع عقيدة إسلامية خالصة مقابل عقيدة صهيونية بغطاء علماني. صراع يستخدم فيه الإعلام كأقذر سلاح لمحاربة أصول الدين ورموزه. يطعن فيه على الكتب الصحاح والأئمة والفقهاء، ثم تزداد فتطال رواة الأحاديث ثم الصحابة الكرام. ثم تتمادى لتسب أمهات المؤمنين والخلفاء الراشدين. ثم لا يسلم من حقارة غايتها خاتم الأنبياء والمرسلين. صراع راح فيه المجرمون يحاربون كل ما هو إسلامي، فذهب بذلك كل سبيل. راح يحارب الشعائر والشرائع، وشن الحرب على الحجاب واللحية وحتى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم! والأمثلة في ذلك لا حصر لها. ولكن هيهات لهم تحقيق مآربهم! {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8]

* صراع صفري وصراع وجود، لا تنافسية حزبية:

هو صراع يحرص فيه الطرف الغالب ظاهرًا ومؤقتًا وهو العسكر الخائن وحلفاؤه، استئصال خصمه من الإخوان المسلمين وحلفائهم من باقي الإسلاميين والمخلصين الشرفاء من الثوار، لا مجرد الانتصار عليهم. لذا كان سلاحه القتل والحرق، والاعتقال والتعذيب، والمطاردة والتشريد، وبث الإشاعات والافتراءات والكذب المتعمد. إنه يخطط وينفذ لإلغاء وجوده بكل وسيلة حتى إنه لا يذكر الثوار أو حتى المخالفين له في الرأي إلا تحت مسمى الخونة والإرهابيين بما يوحي للعامة والغوغاء وغثاء السيل بوجوب تخلص البلاد والعباد منهم تحت دعوى أعلنها من قبل أسلافهم من الطغاة {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]. لو كان صراعا تنافسيًّا حزبيًّا لترك لهم الساحة يعرضون رؤاهم وأفكارهم، لكنه لا يحتمل وجود رأي آخر غير هؤلاء الذين يتبعونه عن عمى بصر وبصيرة. إنها حرب إبادة إذن، وهذا ما يعلنه العسكر أنفسهم لا ما يستنتجه المحللون والمفكرون فقط.

* صراع النفس الطويل، لا الحسم الفوري:

هو صراع طويل الأمد لا قصيره، لا نعني بذلك التيئيس أو التثبيط، معاذ الله! لكننا نعني التصريح والتوضيح بأنه أمر عظيم، لا ينقضي في أيام قليلة، إلا إن أراد الله بعزته وقوته وجبروته أمرًا آخر. صاحب النفس القصير خاسر لا محالة. لا مكان هنا لهؤلاء الذين لا يتجاوز نظرهم موطئ أقدامهم. والزمن هنا عامل خطير في المعادلة. وليكن موقف القائد الملهم خالد بن الوليد رضي الله عنه في ذلك إلهامًا، حين تسابق مع آخر سباق عض الأصابع، فهزمه. تعجب الرجل! فأزال القائد الحكيم عجبه قائلًا إنه لو صبر الرجل لحظة واحدة لانتصر، لأن صبره هو قد نفد فعلًا وكان على وشك الاستسلام. إنه إذن الصبر الجميل والنفس الطويل والقلب الثابت على الحق الواثق في النصر بإذن ربه. إنما النصر صبر ساعة. أوضحها من قبل رسولنا الحبيب “ولكنكم تستعجلون!”

* صراع دولي عالمي، لا محلي أو إقليمي:

يحصر بعض قصار النظر والفكر ساحة الصراع على قطر واحد، بل بين فصيلين اثنين “إخوان وعسكر”! وهذا ما هو بعيد أشد البعد عن الحقيقة والواقع. كل يوم ينقضي بين أيدينا تتضح فيه الصورة أكثر فأكثر، وما حمى التسريبات عنا ببعيد. إن ساحة الصراع هي كل شبر يرفع فيه الأذان، لكنه يشتد ضراوة ويتكشف من تحت غطائه إذا ما كان الذي يرفع الأذان مؤمنًا بحتمية عودة الإسلام لريادة العالم. يقود الصراع طرفان لا ثالث لهما: الصهاينة من ناحية، وأهل العزائم من حملة الإسلام “الحركي” من ناحية أخرى. كل منهما يستقطب من يستطيع إلى جانبه.

فالصهاينة يستقطبون أصحاب العقائد الفاسدة المعادين للإسلام، وأصحاب المشاريع الاستعمارية، والفاسدين المفسدين من أصحاب المصالح المادية، والمنافقين من علماء الدين ورجال السياسة ومدعي الفكر النخبوي، وعالمًا من الأدوات التي تنفذ ما يملى عليها دون تفكير، إما عن ذلة وانكسار، أو رغبة في مكسب حقير، أو عن غل وحقد وحسد لأهل الحق، وأخيرًا أمة من الغافلين الحمقى الذين يلفهم الجهل والفقر، وهما كفيلان بجعلها أخطر سلاح في قلب هويتها وحاضرها ومستقبلها دون الحاجة إلى عدو من الخارج ليقوم بالغرض الخبيث علانية. ها هي الراية ترفع في بضعة أماكن، فإذا ما وجدت آذانًا صاغية وقلوبًا صافية ونفوسًا زاكية وعقولًا واعية وشبابًا يجاهدون من أجلها، إذا حدث ذلك وجدت السهام تمطرها من كل صوب. لكنها إرهاصات الصحوة الكبرى بإذن الله.

* صراع حق وباطل، لا رؤى وأفكار:

الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، نعم لا شك في ذلك. لكن هذا الصراع ليس مجرد اختلاف رؤى وأفكار وآراء وأطروحات، إنما هو خلاف عقدي في الأصل، وإن تنكر في غير ذلك. إن أصل الصراع هنا “وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ”.

لا شك أن كثيرًا من جند الباطل هنا لا يحملون نفس العقيدة أبدًا، لكننا أوضحنا من قبل أنهم أداة رخيصة في أيدي غيرهم، هم في هذا مضللون خلف زعم أسيادهم حين يكون لسان حالهم: “قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ”. لا عذر لهذه الأدوات طبعًا، لكنه من الواجب الإقرار بأن دوافع الكثيرين منهم تختلف عن دوافع أسيادهم، وهذا لا يخرجهم إطلاقًا من دائرة “الظلمة” ولا دائرة “أعوان الظلمة” ليكونوا كلاب جهنم فيما بعد، هم درجات إذن، أو بالأحرى دركات! هو صراع يحارب فيه الحق لمجرد كونه الحق، حتى وإن خالف المحارب بذلك مبادئه التي يتشدق بها كل حين!

حين دعوا إلى الاحتكام إلى الشعب وخلال الصندوق، اكتسح الإسلاميون أغلب المقاعد، فكفروا بديمقراطيتهم حينذاك.

احتكموا إلى الشارع خلال الحشد، فملأ الإسلاميون وأنصارهم كل ميدان وشارع، بل كل حارة، فكفروا بفكرتهم تلك ولجأوا إلى المجازر والحرائق! ليس إذن صراعًا بين أفكار، إنما هو صراع مبني على العقيدة، فإذا ما سار الإسلاميون في كل مسار نجحوا وفازوا، وكلما فازوا انقلب على فوزهم العلمانيون والعسكر بأذنابهما وعبيدهما متترسين خلف دبابة لا يملكها أصحاب الحق. لعل هذا درس للحق ليبحث عن قوة تذود عنه.

* صراع إرادات وعزائم، لا مدافع وذخائر:

هو صراع قد يبدو فيه السلاح حاسمًا، لكنه ليس كذلك بحال. ينخدع الكثيرون بمظاهر القوة الزائفة، لكنهم وبقليل من التدبر والتفكر يدركون كم ضعيف حامل السلاح هذا، وما ضعفه إلا من وهن عزيمته، لهوان غايته وحقارتها، وخسة وسيلته ورخصها، وذلته بين يدي سيده ومولاه الذي يطوق رقبته بطوق الابتزاز حينًا والإغراء بتوافه الدنيا حينًا واستغلال جهله وحمقه أحيانًا كثيرة. لذا تجدهم رغم كل تلك القوة الغاشمة يائسين قانطين! إن مصدر قوة أصحاب الحق هو من يدعمهم، إنه رافع الظلم عن المظلومين، إنه كاشف الهم عن المهمومين، إنه ناصر المستضعفين، إنه القوي العزيز الذي يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المبطلون، إنه من يقصم ظهور الجبابرة لكنه يمهلهم لا يهملهم، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، ويملي لهم إن كيده متين، وهو خير الماكرين إن مكروا وإن زالت حتى من مكرهم الجبال، إنه الركن الشديد الذي لا يخذل من يأوي إليه، إنه من ينصر الفئة القليلة ويرمي عنهم، إنه الذي يدافع عن الذين آمنوا بنفسه، إنه الذي كتب في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن الأرض يرثها عباده الصالحون، إنه الله، ومن كان الله معه فكيف لا تكون عزيمته أمضى من السيف؟!

من كان الله معه فكيف لا تكون إرادته أثبت من الجبال؟! من كان الله معه فكيف لا تناطح همته نجوم السماء؟! من كان الله معه فكيف يحصر غايته في هذه الدنيا الدنية وينشغل عن دار هي خير وأبقى، يجاهد بشتى السبل حتى يكون نعيمها الخالد من نصيبه؟! هذه الإرادة وهذا العزم يبهر المجرمين ويرعبهم وهو سبيل النصر والتمكين بإذن الله. وليكن الألم طريق الأمل، ولا يفتن في عضد أهل الحق ما يلقونه من استضعاف، ولا يتخيلن أحد أن الباطل قد استقرت من تحته الأرض “وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا”.
إذا ما فطنت إلى طبيعة المعركة التي تخوضها استبانت لك الأمور ووضحت السبيل وأدركت مدى الجهد الذي عليك بذله والجهاد الذي أنت بإذن الله أهله والزاد الذي عليك حمله. ومن زادك هذا قيم ومبادئ لا غنى لك عنها. هي وقفتنا التالية معك إن شاء الله فكن على الموعد ذا همة وعزم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد