الخالة سحر تروي تفاصيل خروجها من الموصل القديمة تحت نيران التنظيم.

خارت قواي واضمحلت صحة أطفالي الثلاثة: عبود، وأحمد، وسمير، بعدما حاصرنا الرعاع لفترة طويلة، بلا ماء، ولا طعام، ولا دواء، هممت أن أخرج بأطفالي بعدما أصبحت أنا رب العائلة لقتل التنظيم زوجي؛ كونه كان يُخفي في سرداب بيتنا بعض الحنطة عنهم!

أهلكتني الحيرة من أمري: هل أبقى أم أخرج؟ بعدما رأيت اصفرار وجوه أطفالي من شدة الجوع والعطش، قررت المجازفة والخروج – مع علمي بوجود وحوش الظلام خارج جدران زقاقنا الملاصق لجامع النبي جرجيس عليه السلام – لم آخذ أي شيء معي من البيت سوى أطفالي الثلاثة، وصورة تجمعني بزوجي ليلة زفافنا، وهي آخر ما تبقى لي، بينما أنا أجتاز الباب الثالث المجاور لباب بيتي، فإذا بعنصر من عناصر التنظيم يفطن لتحركاتي، وصوت أقدام أطفالي، فينهال عليّ بالسباب والشتائم من بعيد، وأنا من فرط التعب والأفكار التي تلاحقني لم أعره أي انتباه، فإذا به يرفع بندقيته ويوجهها إلي مطلقًا رصاصاته نحوي.

لم أشعر بأي شي في تلك اللحظة، وكان همي أطفالي والصورة التي أحملها بيساري. فجأة إذ بقدمي تعجزان عن أن تحملاني، وكأني أحمل أطنان من الحديد على أكتافي. فسقطت على وجهي، ولم أعِ أي شيء بعدها، فإذا بي مستيقظة في إحدى المستشفيات الميدانية للقوات المحررة، وبجانبي أحد سكان زقاقنا، والدموع يذرفها على حالي. ما استبشرت عيونه وحاله يخبرني أني فقدت أطفالي الثلاثة في ذاك الزقاق المشؤوم.

عبود الحمال

عبد الرحمن شاب لديه بعض المشاكل النفسية عمره بين العشرين والثلاثين يسكن هو وأخوه ياسين وأخته في جادة باب لكش ولد في عائلة فقيرة متعففة لا تقبل المعونات حالها حال باقي الذين نحسبهم أغنياء لشدة تعففهم. عمل عبد الرحمن منذ صغره حمالًا يجوب محلات بيع المواد التموينية بحثًا عن رزقه إلى حين استقراره في محلات الحاج طه الصالح المعروفة لأهالي الجادة أعلاه. عرفته بشوشًا يحب المزح بصورة عفوية دائمًا لا يرد أي طلب أو أمر يوجه له من أي صديق أو مرؤوس عمل. بقي داخل جادة باب لكش حاله حال غيره من الفقراء مع أخته وأخيه؛ فأصابه المرض والجوع كأقرانه. حتى خرج في أحد الأيام مناديًا: يا مُغيث أغثني – يا أهل الخير قتلني الجوع.. أطعموني وسدوا جوعي. فإذ بعناصر التنظيم يطلقون عليه الرصاص، وتستقر رصاصات بنادقهم في جسده الطاهر.

عمر شبوط

عُمر نزار أو كما يدلعه أصدقاؤه المقربون (عمر شبوط)، أراه ذاك الطفل الصغير الذي كان يشاركني المقعد الدراسي في تسعينات القرن الماضي، ولد عُمر في عائلة ذات دخل متوسط، معروفة داخل جادة باب لكش، والتي يقطنها معظم العوائل المتشابهة بدخلها المادي، ومستواها الاجتماعي الذي تغلب عليه النزعة التقليدية الموصلية الفلكلورية انذاك، قضى صديقنا أيام دراسته الابتدائية حالها كحال باقي أصدقائه، يحلم بأن يكون كأمثاله من الشباب عندما يصل لمرحلة الريعان الشبابي، ولكن ضعف الحالة الاقتصادية التي عانى منها البلد أيام الحصار واندثار المادة دفعه إلى ترك دراسته، والتوجه إلى العمل الذي باعتقاده أنه يساند به أباه على مرارة العيش في ذاك الوقت.

تنقل عُمر من عمل إلى آخر أثناء تقدم العمر حاله حال غيره من الباحثين عن لقمة العيش، تزوج ورزق بطفل مازلت أجهل اسمه؛ لانقطاعي عن الجادة القديمة التي غادرتها قبل دخول الرعاع بفترة وجيزة، ومازال قلبي معلقًا هناك، ولكن ما كان يصلني من أخباره أنه استحسن العمل أخيرًا كمحاسب لاستقطاع الأجور المرسومة للسيارات التي تقطن مؤقتًا داخل ساحة وقوف مجاورة لمحلات شربت صباح المقابل لفندق أشور وساحة بيع الدراجات الهوائية في الجانب الأيمن من مدينة الموصل، دخل تنظيم الرعاع مدينتي وانقطعت أخباره حاله حال باقي الأهل والأصدقاء، وكحال باقي المقيمين خارج الموصل كنت اُناظر أخبار المدينة من على مواقع التواصل الاجتماعي تارة، وشاشة التلفاز التي اختزلت العديد من مآسي الشارع الموصلي إبان الحكم البربري لهذه المدينة المنحوس أهلها، وإذ بي ألمح صديقنا مع مجموعة من الشباب الموصلي، وقد اجتمع حولهم مزيج من الجهلة القتلة والأهالي الفضوليين ليشاهدوا عملية فصل الروح الطاهرة عن الجسد المرهق من كمية المآسي التي مر بها، فتحملها الملائكة إلى باريها، فتستقر في سماء الخلود مع باقي الشهداء والصالحين.

الرحمة والخلود لروحك الطاهرة يا صديقي العزيز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد