دراما فانتازية سوداء، من إخراج «بايونا» وكتابة «باتريك نيس»، يتحدث عن فتى صغير (12 عامًا)، تعاني أمه من مرض خبيث قاتل، وتحت ضغط هواجسه ومخاوفه، يزوره في ليلة ما وحش شجري عملاق (الممثل نيسون)، الذي يعده بالعودة كل ليلة ليروي له ثلاث قصص ذات مغزى تباعًا. وقد تم عرضه في مهرجان تورنتو السينمائي في العام 2016، وقد تلقى ثناء إيجابيًا من النقاد الذين امتدحوا الثيمات ونمطية الإخراج الغريبة والأداء والمؤثرات البصرية.

تفاصيل الحبكة: يتوجب على الفتى «كونور أومالي» مواجهة مرض أمه بالسرطان المزمن، والتعايش مع جدته الصارمة، ووالده المغترب، وكذلك الفتى المتنمر في مدرسته. وفي ليلة ما وتمام الساعة 12:07 صباحًا يواجه فجأة «وحشًا شجريًا» هائلًا، يخبره بأنه سيروي له ثلاث قصص حقيقية (تحريكية)، فيما سيترتب على كونور أن يروي هو قصة رابعة شخصية تتعلق بسر كوابيسه الدائمة، وعليه أن يقبل ذلك صاغرًا، ثم نرى كونور يعود مع الوحش لمواساة والدته المريضة في زيارة أخيرة والتي تفارق الحياة بنفس الوقت 12:07، ويعود بعد ذلك حزينًا مع جدته التي تتعهد بالاهتمام به وإعطائه غرفة خاصة في منزلها، فيجد هناك كتابًا قديمًا لوالدته المتوفاة، يحوي صورًا فنية وإسكتشات تكشف له الشخصيات التي تحدث عنها الوحش الشجري في روايته، كما يتضمن الكتاب رسمًا لوالدته وهي طفلة مع نفس الوحش.

القصة الأولى: يفقد ملك قديم كل أفراد أسرته، ويحتفظ بحفيده الصغير، ثم يتزوج من امرأة شابة جميلة، ويموت قبل أن يبلغ الأمير الصغير سن الرشد، ويعتقد الجميع أن الزوجة هي من سممت الملك العجوز، لأنها لا تريد للمملكة أن تصبح في يد الأمير، فقد خططت بمكر ودهاء لكي تتزوج من الأمير لتصبح الملكة. ثم يهرب الأمير مع فتاة «مزرعة» فقيرة يقع في حبها، ثم يتوقفان ليناما تحت شجرة وحشية «مسحورة»، وفي الصباح يجد الأمير الفتاة الفقيرة قد قتلت، فيخبر القرويين بأن الملكة الساحرة قد فعلت ذلك بقصد، فيبادرون لإسقاطها، ثم يستيقظ الوحش ويتبع الجمهور الغاضب، وقبيل وصول الدهماء الغاضبين لقصر الملكة، يسارع الوحش بإنقاذها وحملها لبلاد بعيدة، لتعيش بسلام في باقي أيامها، ونكتشف أنه على الرغم من كونها ساحرة، إلا أنها لم تقتل الفتاة الفقيرة الشابة، وإنما قتلها الأمير حتى يؤجج غضب شعبه ويلهمه لاغتيال الملكة وإعادة العرش له!

القصة الثانية: يتبع صيدلاني قديم (محضر وصفات دوائية شعبية) التقاليد العتيقة والاعتقادات باستخدام الأعشاب المتخمرة لمعالجة الأمراض، ولكنه يصبح أقل شعبية لأن كاهن القرية أخبر مواليه بعدم تقبل عقاقير ووسائل الصيدلي القديمة. ولكن عندما مرضت ابنتا الكاهن الصغيرتان، طلب الكاهن من الصيدلي إنقاذ حياتهما بعد أن استنفد كل الوسائل والموارد لإنقاذهما بلا طائل. عندئذ يتساءل الصيدلي المنبوذ: لماذا عليه مساعدة الرجل الذي نفر الناس منه، وحذرهم من مهاراته ومنعه من الاقتراب من شجرة الشفاء القديمة، تلك التي تحتوي على أهم مكونات الشفاء الطبيعي؟ ولكن الكاهن الخبيث وعده بإعطائه كامل الشجرة وبترويج عمله ومهارته بين القرويين، وبالرغم من ذلك أصر الصيدلي على عدم مساعدته، فماتت البنتان الصغيرتان. ثم استيقظ الوحش الشجري، وحطم منزل الكاهن وسواه بالأرض كعقاب: فبينما كان الصيدلي رجلًا جشعًا، لكنه بالمقابل كان يعالج الناس وينقذ حياتهم وحتى حياة ابنتي الكاهن لو سمح له بممارسة أسلوبه التقليدي في علاجهما، فيما كان الكاهن صاحب الإيمان الظاهري مضطرًا للتخلي عن إيمانه إذا ما وجده عائقًا أمامه، وفيما كانت أساليب علاج الصيدلي تتطلب الإيمان لكي تنجح، وهكذا بدون إيمان وقناعة الكاهن، لم يكن بإمكان الصيدلي علاجهما، لأن الإيمان هو نصف العلاج تمامًا كإيمان الكاهن المزيف الذي كان «نصف إيمان»!

القصة الثالثة: كان هناك رجل غير مرئي لأنه لم يشاهده أحد. لكنه مل من حالته هذه، وتضافر مع الوحش لكي يلحظه الناس ويحسوا به، وقد نجح الوحش بلفت انتباههم لرؤية هذا الشخص «اللامرئي»، لكنهم بالمقابل فقد شاهدوا الآن «كائنًا» سحريًا مفزعًا، وتمنوا لو أنهم لم يروه!

القصة الرابعة: يتوجب على الفتى «كونور» مواجهة كابوسه الثقيل المتواصل حتى يتمكن من سرد القصة الرابعة. حيث تسحب أمه المريضة البائسة فجأة على حافة وادي سحيق، تكون من تصدع أرضي ماحق، ويضطر كونور ليمسك بيدها بقوة لمنعها من السقوط، ولكنه يفلت تدريجيًا قوة قبضته الصغيرة، وتسقط أمه لأعماق الجرف، ثم يجبره الوحش للاعتراف بأنه أفلت قبضته بقصد، وكان بإمكانه أن يتماسك ويبقي قبضته لإنقاذ أمه، ولكنه فضل أخيرًا أن يفلت يدها لإيقاف الألم المترتب على شد قبضته باستمرار لإنقاذ أمه!

هكذا نتبصر الحكم الكامنة في هذه القصص المجازية التحريكية المدهشة، والتي توضح لنا المغزى وبأن الأمور ليست دومًا كما تبدو في ظواهرها السطحية، وأن التفسير الحقيقي يكمن بالتعمق في الخفايا «غير الظاهرة» للعيان. ولقد نجح المخرج وكاتب السيناريو بالموازنة بين الثيمات السوداء والعناصر الفانتازية ودمجها معًا ضمن السياق الفيلمي في تكامل معبر متماسك، وهو شريط متميز من نواحي التمثيل (كل من فيليستي جونز وسيجورني ويفر ولويس ماكدوجال بدور الفتى كونور) وكذلك المؤثرات التحريكية والصوت التعبيري الجهوري للممثل «ليام نيسون» الذي فاز بجائزة خاصة.

نداءات الوحش 2016

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد