لـقد كان يوم عبوسًا قمطريرًا، أُريقت فيه الدماء، واقتُحمت المنازل، وصودرت الحقوق، ونهبت الممتلكات باسم غنيمة حرب، كُممت الأفواه، وخلف القضبان رُمِي بالأحرار والوطنيين، وكل من وقف في صف الوطن، ذُبِح في عتمة الليل، سائرًا في الطريق، فلا يدري المذبوح علامَ ذُبِح؟ ولا يعلم ذووه مَنْ ذبحه؟ اغتيالات، وتصفية حسابات مجهولة الفاعل، كما سجلتها محاضر التحقيق، لتطوي بين دفتيها الحقيقة، منذ تلك الحادثة أي سقوط صنعاء بيد الحوثيين، واليمنيون رافعون أكفهم إلى السماء يتضرعون إلى الله أن يكشف عنهم ما حل بهم من بلاء.

هبت العاصفة، وتجمعت الغيوم في السماء، وليس أية غيوم، بل أسراب من الطائرات الحربية، استبشر اليمنيون وفرحوا؛ ظنًّا منهم أن الفرج قد دنا.

ولقد أنساهم هَوْل ما أصابهم مَنْ أولئك الذين لبسوا ثوب «ماركس» وتجلببوا بعباءة النبي، أن العاصفة ما ذكرت في موضع إلا تلاها خراب، وهدم، ودمار، وهيهات أن تجتمع عاصفة وأمل، تلبدت السماء بسرب من الطائرات فأمطرت القذائف، واهتزّت من تحت أقدام الإمامين، وأنبتت في كل شبر نارًا.

مضت الساعات الأولى، وكأن تلك الصواريخ غيث نزل بأرض جدباء، فارتوت، وتبسمت قلوب المضطهدين، وتوردت الوجوه، ودبت الحياة في الأرواح بعد يأس، ثم أصابتها الصاعقة، حينما تحول المنقذ إلى جلاد، والمحرر إلى محتل.

ذات لقاء خاطب ولي العهد الإماراتي الرئيس «هادي» قائلًا: «فخامة الرئيس اليمني مو بيمنكم وحدكم، اليمن معكم فيه شركاء»؛ إشارة منه أنه يمني، وما أظنه قالها مفتخرًا، أو متعاطفًا بل ملمحًا أن له إرثًا في اليمن، فهو كما يقال إنه حفيد اليمنيين الذين هاجر أجداده في غابر الزمن من أرض سبأ، -وما أظن ذلك- وقد آن الآوان لأخذه، وما تلك إلا إشارة منه لنية بُيتت بالليل؛ ولتحقيق مآربه أنشأ معسكرات خارج إطار الشرعية، ولم تكن مجرد صدفة بل وضع في عين الاعتبار التجربة البريطانية؛ حيث أسست عام 1928 في جنوب اليمن المحتل آنذاك جيشًا منفصلًا عن بعضه البعض، وكان الاختيار على أسس مناطقية. مثل «فصيل العوالق والعواذل، فصيل يافع وعزان، فصيل الحسني والميسري»، بحيث يمكن لجيوش كل قبيلة إخضاع الأخرى من دون أن تثنيها عن ذلك عوامل القرابة والولاءات القبلية؛ كي يسهل السيطرة على المحافظات اليمنية في الجنوب، بغرس المناطقية مثل الحزام الأمني، والنخبة الحضرمية، والشبوانية، وهذا ما حذر من عواقبه مؤسس الحراك الجنوبي اللواء «ناصر النوبة» وانتقد هذا التقسيم القائم على أسس مناطقية، والتي من شأنها قد تجر إلى حرب أهلية بين الإخوة في جنوب اليمن، واقتحام معسكرات الحماية الرئاسية قبل أشهر بداية الحرب، فكانت الحرب جنوبية جنوبية.

وبصمت تعمل على إنشاء النخبة التهامية؛ لتضمن قبضتها على ميناء الحديدة، كما هو الحال في عدن والمخاء، وها هي الآن بعد أن احتلت جزيرة «ميون»، وسيطرت على باب المندب، تدفع بكل ثقلها لاحتلال جزيرة «سقطرى» بعد أن خسرت اعتبارها في الصومال، ودولة جيبوتي، وقد بدا الأمر واضحًا أنه لم يكن الشعب اليمني المقصود من عملية إعادة الأمل، بل المعنى والمقصود من إعادة الأمل هو التحالف نفسه في عدم إيجاد دولة جمهورية ديمقراطية قوية، يحكمها نظام يختلف عن أنظمة حكمهم، وإنما تريد يمنًا ضعيفًا حتى يقتنع مواطنوها أن الحكم الجمهوري حكم نزاعات وحروب.

وقد لخص حقيقة نية دول الخليج أحد الخبراء السياسيين الخليجيين بقوله: «إن الكتلة الخليجية لا تريد يمنًا مستقرًا سياسيًّا، آمنًا اجتماعيًّا، به قدر من الرفاه، والرخاء الاقتصادي». وجفت الأقلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك