شاءت الأقدار أن تعود اليمن مسرح حرب كان يمكن ألا يكون لولا التخاذل العربي، وغياب الرؤية أو غالبًا تأخر القرار الحاسم والحازم.

فمنذ قيام الثورة الشعبية في اليمن، وهم دول الجوار اليمنية وخاصة في الخليج كان احتواء الأزمة ولو على حساب الشعب وثورته؛ خوفًا من وقوع اضطرابات في الدولة الملاصقة للمملكة العربية السعودية (أكبر دولة خليجية) وعربية وإسلامية.

وبحث الخليج بقيادة السعودية في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، طريقة خروج تحفظ للرئيس اليمني علي عبد الله صالح كرامته ووجاهته السياسية، وبالفعل تمكنت من ذلك، واستطاعت أن تقنعه بترك السلطة، والتي أسقطوها في يد الرجل الضعيف عبد ربه منصور هادي، وربما ذلك كان متعمدًا حتى تتمكن المملكة من التحكم في هادي نفسه بعد ذلك.

لكن مع مضي الوقت وانشغال المملكة بما يجري في مصر، وسوريا، وربما ملف إيران النووي، وإلهاؤها بملف الإخوان، وحماية الرئيس العسكري الجديد عبد الفتاح السيسي من تحركات الإخوان في الداخل والخارج، استطاع علي عبد الله صالح التسلل إلى أرض المعركة اليمنية من جديد، واستعادة حلفاء قدامى، وخطب ود ما بدا للعالم سابقًا أنهم أعداؤه (الحوثيون).

فبمساعدات إيرانية، استطاع علي عبد الله صالح التأسيس لتحالف مع الحوثي الشيعي الموالي لطهران، والذي طالما راوده اللعب في الفناء السعودي، العدو الأول والعقبة الكؤود أمام حلم الهيمنة الفارسي على المنطقة العربية السنية.

وسريعًا انقلب الذئب الصحراوي علي عبد الله صالح على أصدقاء الأمس لأجل عيون السلطة، فتحالف مع من حاربهم دهرًا ضد من حالفهم عمرًا، فكان حوثيو طهران أقرب إليه من سنيي مكة!

وبالرغم من أن الحقيقة تنطق بأن ما يجري على أرض اليمن هو حرب فعلية ضد إيران متمثلة في الوكيل الحوثي؛ غير أن الفخ الذي يسقط فيه نخبة أهل السنة في الإعلام والسياسة وغيرهما تحويل هذه المعركة إلى حرب يقودها السنة العرب ضد الحوثيين الشيعة.

فإيران وإن تمددت وتواجدت على الأرض العربية فعليًّا كما هو واقع في العراق وسوريا ولبنان والبحرين وأخيرًا اليمن؛ غير أننا لا بد وأن نعترف أنها تلعب بأبناء وطننا وقوميتنا وعقيدتنا نحن، وهنا مكمن الخطر الداهم.

فطهران تجيد تصدير الرجال الذين يتحدثون ببراءة على وسائل الإعلام العربية والأوروبية، وللوفود العربية الزائرة وكذلك الغربية، أنها لا تحمل أي مشروعات توسعية، أو رغبة للهيمنة على الدول السنية، وتتمكن بسهولة نفي أي اتهام لها بذلك، والواقع الظاهري يؤيدها تمامًا، فمن يقول إن حزب الله الشيعي اللبناني يمثل إيران، وهو طيف سياسي أصيل في المعادلة اللبنانية، وكم يتشدق بمواقفه الوطنية ودفاعه عن لبنان والقضية الفلسطينية؟

ومن يقول إن الحوثيين بقيادة عبد الملك الحوثي، إيرانيون، أو موالون لإيران، وهم طيف أصيل من الطيف اليمني الوطني؟!

ومن يقول إن نوري المالكي أو العبادي إيرانيون؟ وهكذا الأمر دومًا في كل البلاد السنية التي تأوي بها جماعات تحمل جنسيتها موالية لطهران.

كان يفترض أن توقف أو تنتبه منذ البداية قيادات الدول العربية السنية لزيارات بعض الوفود إلى طهران، وتكرار هذه الزيارة للبعض بصورة دورية أو شبه دورية، والتحولات الفكرية التي تطرأ على قيادات هذه الوفود، وردود أفعالهم داخل بلادهم العربية، وهذا أمر يمكن القيام به الآن قبل أن يتحول قيادات الدولة الفارسية اللابسين ثياب الإسلام تقية، من الظهور في صورة المقهورين المعتدى عليهم من أهل السنة المجرمين، مثلما هو حال الصهاينة في الغرب والشعور الغربي العام أن الفلسطينيين هم شعب الجبابرة الذي يعتدي ويقتل شعب إسرائيل الطيب!

من الجرائم في حق التحالف العربي القائم الآن ضد الانقلابيين الحوثيين أن تقوم النخبة السياسية والإعلامية بتصدير المصطلحات والإيحاءات والكلمات التي تقول بأن ما يجري باليمن، ومن توجه عربي للتوحد ولصنع تكتل إقليمي قوي جديد بالتعاون مع تركيا أو باكستان هو توجه سني قح لمواجهة إخواننا في أوطاننا العربية السنية.

لا بد من انتباه النخبة المتحدثة على القنوات الفضائية أو المسموعة أو التي تكتب بوسائل الإعلام المقروءة، من ترديد هذه العبارات أو المصطلحات التي من شأنها إلقاء الرعب في قلب إخواننا، ومن ثم إسقاطهم بسهولة في يد عدونا بسهولة وبعدها يسهل توظيف الخائف من الموت من أن يسبق هو بقتل من قد يظنه أنه قاتله.

لا بد أن ندرك ونعترف أن الملالي الحاكم في طهران كان ولا يزال هدفه دومًا التمدد بوسائل الفكر الناعمة، حتى تحين لحظة الحسم التي يحلم فيها بإسالة دماء أهل السنة أنهرًا؛ لكنه في الوقت ذاته استطاع أن ينقل هذه المعركة إلى أراضينا وبلادنا، حتى بات المشهد الآن إن سار على ما هو عليه وطال أمده أننا نقتل بعضنا.

“عاصفة الحزم” لا بد أن يسير معها على التوازي عاصفة فكرية أخرى لها القدرة على أن يتصدر المشهد من يجيدون التعبير عن مواقفنا بذكاء وبساطة وعمق وهدوء.. بحاجة لأن نعصف بكل هوى وحماسة من شأنها تلويث صورتنا وحقنا في الدفاع عن معتقداتنا وبلادنا ضد من باعوا أنفسهم لمن خطط لعدائنا والنيل من بلادنا.

إنها ليست حرب بين الشيعة والسنة؛ إنها حرب ضد انقلابيين خونة أيًّا كان معتقدهم، وحبذا لو يتم إخراج وثائق وتسجيلات مصورة تفضح علاقة هؤلاء الخونة بمن جندوهم في “قم”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد