سلام عليكم

حكايتنا رحلة في خيال لا يعرف الحدود، فصولها بعيدة الأحداث ولكنها قريبة المضمون، ما الذي يحدث إن استمر الحال على ما هو عليه، وأي ملامح يحمل زمن فيه الكلمة للغرب القوى؟ من يستطيع وصف لحظة الرعب؟ حتى ملاجئ القاهرة لم تعد  صالحة للاختباء، فالعدو يبحث عن المسلمين ويقتلهم في كل مدينه، في كل حي، في كل شارع، في كل زقاق، لم يبق لمسلمين الأرض إلا مناشدة ربهم الذي بالسماء، أبيد معظم المسلمين بسبب قلق الغرب، هذا القلق المتعطش للدماء، «هم دائمًا قلقون، منذ مائة عام وهم قلقون، أحرقوا أطفالنا وقرانا ومساجدنا وما زالوا قلقين، يملكون الطائرات والقنابل النووية والهيدروجينية وما زالوا قلقين، عروا نساءنا واقتحموا ديارنا ومازالوا قلقين، لا أعرف كيف نطمئنهم على أنه لا خطر منا»-أرض العظايا-  بل أبيد المسلمين بسبب المسلمين! أجل لا تعجب.

كي لا أطيل عليك هذه هي القاهرة عام 2050 أو لعلها 2030، كما ترى دبابات العدو تطوف أنحاء المحروسة، ما زالت تبحث عن آخر عناصر المقاومة، أقصد آخر عناصر الإرهابيين؛ فقد حاول هؤلاء الإرهابيون السنيون أحفاد رسول الله إقامة دولة لهم في هذه البلاد، أو لعلهم  لم يحاولوا؛ فقد كان المحتل لا يحتاج لسبب كي يغزو القاهرة، كان القرار مبيتًا مسبقـًا وكانت حاملات الأسطول السابع في عرض المتوسط، ولم تكن تنقصهم إلا ذريعة ولو بسيطة، أتذكر احتلال بريطانيا لمصر الذي استمر لمدة 80 عامًا بحجة أن أحد رعايا الإنجليز بالإسكندرية قد قتل؟ حتمًا لا تذكر؛ فقد أحرقت وزورت كتب التاريخ منذ زمن بعيد، حتى إني لا أكاد أجزم إن كانت  قصة الإسكندرية هذه حقيقية أم مجرد خيال، فعملية التزوير قائمة منذ ما يقرب 100 أو 150 عامًا، أحداث كثيرة مرت علينا، ولكني لا أستطيع أن أتذكر متى بدأ الغزو، ولكن معلمي أخبرني هذه القصة، قصة تسمى حلب، وكنا في ذلك في عام 2016 القاسي وإليكم أنقل كلامه.

جلس منا مجلس الأستاذ من تلاميذه ثم قال: يؤلمكم ما حدث بحلب يا أبنائي، لكن القصة من البداية ليست قصة حلب، قبل الحديث عنها دعونا نتحدث عن 3 محطات رئيسية مرت عليها الأمة الإسلامية، «الحرب الأفغانية السوفييتية 1979- 1989» – «غزو أمريكا للعراق 2003»– «سوريا 2011 – حتى الآن»

أفغانستان

الحالة: «دولة تقاوم الاستعمار الفكري والاجتماعي الروسي، تقاوم نزع الإسلام من صدر الشعب واستبداله بالشيوعية الملحدة، والشعب يقاوم حتى يعلن الاتحاد الحرب على الأفغان».

1- المجاهدون صامدون ويدفعون العدو.

2- المجاهدون يهاجرون إلى الأفغان من أنحاء الأمة الإسلامية، فيسافر الشيخ عبد الله عزام الأردني وابن لادن السعودي.

3- الأمة العربية والإسلامية تتابع الموقف كله في حالة استنفار عجيب، الأمهات في القاهرة في منازلهن ينتظرن أخبار المجاهدين في الصحف، ويدعين لهم في صلواتهن بصدق ومن أعماق قلوبهن، باختصار الأمة كلها تستسيغ فكرة الجهاد وتؤيد الأفغان بالقلب والمال والسلاح والبشر أنفسهم، عبد الله عزام يعقد الندوات والمحاضرات في البلدان العربية لتعريف الأمة بالجهاد والأحداث وآيات الرحمن في جهاد الأفغان.

4- الأنظمة السياسية تسمح للمجاهدين من بلادهم بالسفر وفي بعض الأحيان تمدهم بالأموال وبالأعلام –كانت بالطبع جزء من الحرب الباردة  بين أمريكا المسيطرة على الأنظمة وروسيا– و لكن لمرة واحدة على الأقل تلتقي رغبه الشعب وآماله مع مطامع الحاكم وأهوائه.

«مبارك يسمح للمجاهدين بالسفر بل يمدهم بأسلحة الجيش المصري!».

5- أهذا حلم أم حقيقة؟ يبدو أن الأمة سيمكن لها حقًا في المستقبل القريب هنا أو هناك، لا يهم الأمر فقط هو بعض سنوات حتى يصير للإسلام دولة.

ملاحظات

1- أفغانستان بلد بعيد نسبيًا عن مصر، ولا نستطيع أن نحدد مكانها على الخريطة شأنها شأن الشيشان والبوسنة والهرسك، وبالتالي فاستجابة الشعب لهذه الأزمة كان من الطبيعي أن تقتصر على فئات الإسلاميين – ليس كلهم بالطبع- المثقفين منهم والجهاديين، ولكن هذه الاستجابة الضخمة من الأمة توحي بأن هذا الغزو لو حدث في بلد عربي لانتفضت الأمة انتفاضة الليث وأن ردة الفعل ستكون أقوى وأقوى وأقوى.

المكونات

استجابة العرب = مجاهدين أحفاد رسول الله كما يسمينا الأفغان + أطباء + مساعدات بالأموال + مساعدات بالسلاح + تأييد معنوى قوي جدًا للغاية.

النتيجة

الأمة ما تزال على قيد الحياة والتمكين مسألة وقت فقط.

العراق 2003

1- الأمريكيون يهبطون أرض الحرمين الشريفين.

2- بدأت عملية الغزو.

3- التنظيم الإسلامي الأكثر انتشارًا في مصر يكتفي بمظاهرة باستاد القاهرة تنادي بمقاطعة المنتجات، فتسمح لهم الحكومة، ولكن ليس هناك رد فعل سياسي أو مجتمعي مؤثر.

4- ودخلت المارينز بغداد ومن بعدها الفالوجة وسقط على الأقل مليون مسلم وقتل الثور الأبيض.

5- ما الذي يحدث ألم تخبرنا أن التمكين قريب؟

المكونات

أستجابة العرب= تأييد الشعوب كلها على المستوى المعنوي، ولكن ماذا نملك لنقدمه والأنظمة السياسة تقف كجندي أمن مركزى لأمريكا + لا أعلم لكنها لم تكن مؤثره كفاية.

النتيجة

انمحقت دولة العراق لم يعد هناك عراق بمعنى الكلمة.

حملة مقاطعة منتجات يبدو أنها ستكلف الوحش الأمريكي الكثير والكثير لنقل مائة ألف دولار.

الأمة يبدو أنها تحتضر.

سوريا

الأحداث ليست بحالة إلى شرح فالكل يعرف ويرى ويسمع،

لكن الجديد هو أنه حتى ما كنا نقدمه للعراق بخلنا به على سوريا بخل الشعب المصري على السوريين حتى بتعاطفه وتأييده المعنوي،

فعلى سبيل المثال الحالة المصرية انقسمت إلى:

1- من يرى سوريا والعراق في حالة سيئة وهم من أوصلوا أنفسهم إلى هذه المرحلة، أما نحن الشعب الطيب فلا نريد أن نصبح كهؤلاء الأوغاد الأشرار السوريين، هكذا تردد حفنة صغيرة ولكنها عالية الصوت، وهؤلاء الظاهر أنهم أنكروا فريضة الجهاد إنكارًا صريحًا.

2- آخرون لا يفكرون في الوضع أصلاً، لا يعنيهم لعلهم قاموا بتغيير صورهم الشخصية على مواقع التواصل بالصباح، وذهبوا إلى حفل غنائي بالمساء في أمسيات شم النسيم، ومنهم من لا يدري شيئًا أصلاً، فهم منشغلون بتحصيل كفاف العيش فقط، وهؤلاء أنكروا الفريضة إنكار العاجز؛ فهم لا يملكون شيئًا يقدمونه حقـًا.

3- طائفة الصوت العالي، مسلمو الصوت العالي لا يكفون عن الحديث ولوم الناس وهم لا يفعلون شيئًا ولا يقدمون شيئًا، وفي اعتقادي أنه لو كان الحال أفضل مما هو عليه ما كفوا ألستهم عنا، وهم أقرب إلى المنافقين منهم إلى المؤمنين، انظروا يا أبنائي إلى هذه الآيات «إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم» الأنفال 49، «وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا» الأحزاب 12، «يوم يقول المنافقون والمنافقات» الحديد 13، «ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر» البقرة 8.

وآيات أخرى المشترك بينها هو فعل القول، فالمنافقون لا يجيدون شيئًا إلا التعذر والتذمر والاتهام، وهم لا يحسنون صنعًا فأما هؤلاء فاحذروا أن تكونوا منهم حذرًا شديدًا.

3- وطائفة المثقفين طائفة تتحرى الحق والصواب ولعلها تصيبه في المستقبل إن تمسكت بكتاب الله وسنة رسوله وعاشوا تحديات زمانهم حقـًا ولم يهربوا منها إلى مسكوب الماضي، ولم يخشوا من محال المستقبل.

مكونات استجابة العرب

استجابة العرب = (-) دعم معنوي

النتيجة

أين الأمة؟ يبدو أنها تبددت إلا بصيصًا من نور خافت لا يعول عليه.

أهذه هي الأمة التي كانت سيمكن لها في غضون أعوام بعد انتهاء غزو الأفغان؟

إن وسائل التواصل الحديثة تنقل الواقع بصورة أقوى مما كانت تنقل عليه في حالتي أفغانستان والعراق ولكن دعنا نقول إن الوسائل لم تكن قويه كفاية لتعوض موت الإنسانية والأخلاق ثم إسلامنا من بعدهم.

…………………………………………………………………………………………….

لِمَ أقص عليكم هذه القصة الطويلة كي نحلل سويًا أسباب النكبة ونقف على مسببات الانهيار الشامل، فليس هذا موقف التحليل والنقاش ولست أنا أهل له، وهناك كثير من المحاضرات والندوات والدورات والكتب التي كتبت في شأن هذا الانهيار الأخلاقي والديني والثقافي والمجتمعي – سَمِّه كما شئت- ولكن مع كل هذا نبقى نحن كما نحن ما زلنا نحلم، نحلم فقط باليوم الذي يُمكَن لنا فيه، ولم نبذل لهذا التمكين شيئًا.

و لكن قصصت عليك هذا كله كي تعرف:

1- خطورة الحالة التي أصبحنا  فيها حقيقة.

2- ندرك مدى انحطاطنا في أعين أنفسنا وفي الواقع.

3- أن هذه الحوادث ستتكرر إن لم نتغير وستكون أكثر ضراوة إن كان لنا عمر لنرى، إن لم نكن نحن الضحية التالية، وأن الخطر ليس ببعيد.

استأذن أحد الأبناء فسأل أباه وكانت عيناه كجمرتين: فما الحل؟ ما الحل إذن يا مولانا وسيدنا ؟؟ أخبرنا.

فرد الشيخ وقال: والله ما المسؤول بأعلم من السائل،  لكن جل ما أقوله لك أن ما نملكه نحن هو «العمل والإخلاص والعلم والدعاء»، أخلص لإخوانك في سوريا في الدعاء، ساعد الآن بكل ما تقدر عليه ساعد بالمال، قاطع منتجات الغرب قدر المستطاع، حول الغضب الذي داخلك إلى عمل، ابحث عن حلول عملية بنفسك، افعل أقصى ما يمكنك فعله، قم بإعداد نفسك، استعد للحظة الفارقة، أقم الدين في نفسك، أري الله من نفسك خيرًا، تعلم دين الله لتعرف مراد الله، تعلم من العلوم ما ترى أنه ضروري لنهضة الأمة من علوم شرعية إلى علوم اجتماع وإنسان إلى علوم الفيزياء والكيمياء، أخلص النية واحمل هم الأمة، دافع عن نفسك محاولاتهم لسرقتك من أمتك، نحن الرمق الأخير وإن ذهبنا انتهى كل شيء في هذه البلاد إلى أن يشاء الله، أعد نفسك للحظة الفارقة، الواقع جد خطيرة، الكارثة لن تتوقف، واعلم أن حياتنا كلها جهاد، وأن التمكين يعقبه جهاد أيضًا وليس رخاء، قف على ثغر من ثغور الدين فالخطر قادم لا محالة ومن قال عكس ذلك فهو مختل أو عميل أو أعمى، أعلم أن معظمنا وأنا أولكم لا نملك شيئًا ولا أي شئ لا لأنفسنا ولا للأمة، لم نعد أنفسنا إلا للجلوس على مواقع التواصل لنكتب كلمات كهذه، وإن كانت تحتوى شيئًا من الحق لكن كاتبها يعاني من الخواء، ولا يستطيع تقديم أي شيء، أعلم أننا انحططنا بأنفسنا كثيرًا وكثيرًا، لكن قلوبنا ما زالت تنبض وإن نحن حقـًا شعرنا بهم الأمة وعملنا وأخلصنا وعلمنا وصبرنا سينصرنا الله.

وأخيرًا

اعلموا أن الله عز وجل ينصر الحق ولو بعد حين، فلا تيأسوا، واعلموا أن النصر قريب وأن النصر قادم، وأننا مكلفون بالعمل، ولسنا مكلفين أبدًا بالنتائج، الله لطيف خبير، ربنا هو الله، سيدنا هو الله.

اختتم شيخي كلامه ثم قام وذهب ولم نره بعدها.

لا نعلم أين ذهب بعضهم، قال إنه هاجر للجهاد، وبعضهم قال إن السلطات الأمنية اعتقلته لخروج خطابه عن النص.

تكاثرت الأقاويل، أما نحن فكالعادة سمعنا كلامه ثم تأثرنا ثم بكينا ثم نسينا وما لبثنا أن عدنا إلى حياتنا نتشاجر، نلعب، ندخل في صراعات ونقاشات فارغة، إلى أن فوجئنا بالعدو وقد جردنا من كرامتنا وإنسانيتنا وإسلامنا وبلادنا وحياتنا.

ليتنا سمعنا

بل قل ليتنا عملنا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حلب
عرض التعليقات
تحميل المزيد