ليس كل من ركب الحصان خيالًا، وليس كل من رمى شباكه في بحر القصص صيادًا، لعلني لست بحاجة إلى إثبات أن «غاليانو» صياد ماهر، فأعماله تشهد له بذلك، وفي أخر أعماله «صياد القصص» يواصل إدواردو غاليانو متعته في سرد حكايات من قلب التاريخ ينتصر بها للحرية ضد العبودية، وللطبيعة ضد جشع الرأسمالية، وللإنسان ضد نفسه الأمارة بالسوء، وبعد انتهائي من الكتاب حاولت أن أتخيل إذا ما قام أحد برمي شباكه في بحر واقعنا المصري المليء بالقصص، فماذا ستخرج لنا الشباك؟ أنا قمت بالتجربة ورميت شباكي، وكانت النتيجة كالآتي:

في يوم 19 نوفمبر 2013 قام بعض الغاضبين بحرق العلم المصري في ميدان التحرير، في ظاهرة أظنها الأولى من نوعها، فقلت لصديقي أن ما حدث يعد مؤشرًا خطيرًا لانهيار علاقة الدولة مع أفرادها، لقد حرقوا العلم كتعبير عن غضبهم على البلد، فرد صديقي هازئًا وقال لماذا لا نستغل حالة الغضب الموجودة حاليًا في البلاد ونفتح بيت دعارة، تلبس الفتيات فيه زيًا على شكل علم البلاد، سيتوافد الكثير على هذا الماخور، وسيجد الكثيرون الفرصة لتفريغ غضبهم عن طريق ممارسة الجنس مع الفتيات اللاتي يتجسد فيهن البلد التي طالما اغتصبتهم، قالها صديقي وهو يضحك بشدة، أما أنا فلم أضحك.

عندما كنت صغيرًا، ربما تحديدًا في أولى أو ثانية ابتدائي اتصلت بصديقي حتى أعرف منه واجب الدين، ليس هذا هو الغريب في الحكاية، إنما الغريب هو أن من اتصلت به كان مسيحيًا، كان صعبًا على طفل أن يعلم أن أقرب أصدقائه له عقيدة غير عقيدته، تمر بي تلك الذكرى كلما لاح في الأفق شبح الفتنة الطائفية، فأقول لنفسي أن حلها بسيط، وهو أن يكفوا عن العبث بالفطرة التي بداخلنا، نحن لسنا عنصريين، ولا طائفيين، وإنما أيديكم هي من تصنع الفتنة، فإذا أردتم حقًّا القضاء على الطائفية في مصر فلتقطعوا أيديكم وتتركوا الأجيال تنشأ على فطرتها السليمة التي ترفض الكره وتسعى للسلام.

في فبراير 2016 تم الحكم على أحمد ناجي بالحبس لنشره فصلًا من روايته «استخدام الحياة» في جريدة أخبار الأدب، هذا الفصل يحتوي على ألفاظ خدشت حياء البعض، مما دفعهم للمطالبة بحبسه فاستجابت الدولة لرغبتهم، فسألت صديقي عن رأيه، فذهب إلى مكتبته وأخرج منها كتاب «محاكمة طه حسين» لخيري شلبي، وقال لي، طه حسين جنى ثمار غرسه الطيب، فها هي جهوده وجهود أنداده قد أينعت رجالًا في مواقع السلطة يقدرون قيمة العلم وقيمة العالم وحرية البحث، فاستطاع الانتصار في معركته، لذلك يجب محاكمة أحمد ناجي، ليس لكتاباته، بل لأنه تخاذل هو وأقرانه عن صناعة النهضة الثقافية في البلاد، فهو الآن يجني ثمار الجهل.

سألت أمي، أن وعود التنمية والنهضة قديمة، يطلقها كل من يصل إلى السلطة، ولا يتحقق منها شيء في النهاية، فمتى سنجني ثمار التنمية الاقتصادية التي نتقشف لها منذ عقود، ومتى سنشعر بالأمان الذي ضحينا من أجله بالكثير، ومتى يتطور التعليم الذي بح صوتنا في المطالبة بإصلاحه، ومتى سيحصل كل منا على رعاية صحية جيدة؟ فأجابتني أمي، موت يا حمار، فدخلت غرفتي وجلست أنتظر موت الحمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, ثقافة, كتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد