(1)

لا يستطع أحد التجاهل بأنّ الرمزية الفلسطينية لم تتمثل في شخص، على الصعيد الوطني الفلسطيني، كما هي متمثلة في شخص الراحل «أبي عمّار عرفات»، وهذا ليس من باب المدح والإطراء بقدر ما هو إقرار بالواقع، واعتراف بما كان يمثله أبو عمار من رمزية واعتبار.

فنحن جيل الانتفاضة الأولى «انتفاضة الحجارة»، كانت أكثر من تجسدت أمامهم قضيتنا الوطنية ومعالم المشروع الوطني في هذا الرمز الذي اختزلت في صورته، وهو يعتمر الكوفية الفلسطينية بكل معانيها.

لقد كانت صورة الفدائي، وما لها من معاني الفداء والتضحية والقوة التي تقهر الاحتلال الغاصب التي كنّا نراها في الفدائي الأول، والزعيم الذي وقف يخاطب الأمم في أعلى منابرها الرسمية الدولية «هيئة الأمم المتحدة»، باسم الثائر الذي يحمل البندقة في يدٍ، وغصن الزيتون الأخضر في اليد الأخرى، ولقد كان خطابه الأول من على هذا المنبر تجسيدًا للقرار الفلسطيني المستقل، وما به من عنفوان الثورة وتمرد الثائر، نعم، إنّه أيقونة الثوار «فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي، فلا تسقطوا الغصن الخضر من يدي!»

(2)

لقد عمل الراحل أبو عمار طوال حياته جاهدًا لإيجاد هذه الرمزية الثورية وتعزيزها بكل ما أوتي من ذكاء فطري أو دهاء اكتسبه، وهو يتقبل في البلاد ويتنقل بين الأمم يعاند واقع الهزيمة العربية وما بها من أعلال التبعية، وقهر الديكتاتورية والتقهقر الحضاري؛ لعله يجد منها انعتاقًا، ومن سبيلها مخرجًا.

ولكن، هيهات له ذلك وقد رهنت الأنظمة العربية القضية الفلسطينية في كليتها في إطار اصطنعوه بأنفسهم «منظمة التحرير الفلسطينية» أو بقرار عربي رسمي تفردوا به دوننا، وكلّفوا به زعيم فلسطيني كان لازال وقتها يُمثل دولة عربية بترولية كبيرة «المملكة العربية السعودية» في الأمم المتحدة، إنّه «أحمد الشقيري» أول من رأس هذا الإطار في شكل منظمة فلسطينية.

وإن كان اصطناعها في تقديرنا نحن الفلسطينيين ألا ليُحرر الزعماء العرب أنفسهم من أية تبعية لما استجلبوه على قضيتنا من كوارث ونكباتٍ، ولا سيما ما كان من تدخلهم الهزيل قبيل انتهاء ما سمي بالانتداب، وقد انتهى هذا التدخل المختل في الميزان والوزن بخطوط وهمية، «الهدنة» ضيّعت من الأرض العربية الفلسطينية أكثر مما قطع منها قرار التقسيم الظالم «181» لصالح عصابات صهيون.

وكان على تلك الأرض المغتصبة التي اقتلع منها أهلها بمذابح مارستها العصابات الإرهاب الصهيونية، فأقاموا عليها دولتهم المصطنعة «إسرائيل»، بهذا الاسم ذا دلالة دينية، وعلى هذه الأرض بما تحمله من أبعاد تاريخية لمملكة قامت عليها قبل آلاف السنين بأمر من الله لنبي من أنبيائه من بني إسرائيل «ادخلوا الأرض المقدسة»، كنا ولازلنا نجد أنّنا الورثة الحقيقيين لكل الأنبياء والمرسلين «ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين».

(3)

وأمام هذا الواقع الذي يهيمن على كل تفاصيله قوى عالمية داعمة بقوة للمشروع الصهيوني الذي تجد فيه أوروبا من قبل، كما أمريكا اليوم مشروعهم الأصيل في المنطقة العربية، وما تمثله هذه المنطقة في الميزان الاستراتيجي من ثقل كبير، لا يمكن تغافلها أو الغروب عنها، دون وكيل معتمد وأجراء متعاونين.

وهذا ما أدركه الراحل أبو عمار باجتهاده من أنّه لا يمكن الخروج من أقطار هذه التبعية، إلا باعتلاء منصة التمثيل الرسمي الفلسطيني عبر بوابته «منظمة التحرير الفلسطينية»، فكان دخوله والفصائل إليها عام 1968 ليتولى فيها رئاسة اللجنة التنفيذية بعد مرحلة انتقالية رأسها «يحيى حمودة» خلفًا لرئيسها الأول «أحمد الشقيري أبي مازن».

ولكن، لطالما خسر رهان أبي عمار على الخروج من التبعية العربية، وما بها من تشرذم واختلاف يصل إلى درجة التناقض التام بين توجهاتها الأيديولوجية، من قبلية متزمتة منغلقة إلى ماركسية لينينية تدعي التقدمية، بل هي متضادة في أشكال إدارتها، فمن أنظمة ثورجية قامت على الانقلابات إلى إمارات ومملكات وراثية عضدية.

حقيقة، لم تكن قيادة الراحل أبي عمار لأغلب القوى الفلسطينية التي دخلت في إطار المنظمة، ويجد كل فصيل منها أنّه امتداد لنظام من أنظمة عربية تحرص أن يكون لها حضور في داخل هذا الإطار الرسمي، بالأمر الهين، فقد كانت ساحة المنظمة أشبه ما يكون بصورة حقيقية وعينة تمثيلية للواقع العربي بكل تعقيداته وتداخلاته وارتهاناته.

غير أنّ الراحل أبا عمار قد عمل جاهدًا في إدارة مستمرة لهذه التناقضات، وما بها من نشاز، وعمل على تأليف الجمع بين الأضداد وما به من صراع، فيما أسماه بـ«ديمقراطية البنادق»، نجح في أحيان ولم يَضره أن أخفق في أكثرها؛ لأنّه في حقيقة الواقع وضرورته وقواعد المنطق وقوانينه لا يمكن أن يلتقي النقيض مع نقيضه أو جمع الأضداد في ائتلاف واحد!

لكنّه، قدره الذي لم يجد منه فكاكًا غير أن يتحلى بأعلى درجات البرغماتية في التعاطي مع مكونات الصورة ومؤثراتها الكثيرة وارتباطاتها كبيرة.

(4)

وعند تسليط الضوء على أكثر الخسائر التي مني بها أبو عمار وأقساها عليه، ما كان من رهانه على من كان يسميهم أشقائه العرب، وهم قد خذلوه مرارًا وتكرارًا، وكم تركوه وحيدًا يلاقي مصيره ويواجه قدره بنفسه، وفي أكثر من جولة ومرة.

لم تكن أولاها في عمّان أيلول أو بيروت، ولكن كان آخرها حصار «شارون» له في رامله، ليلقى بها مصيره الذي لم يكن ليغيب عنه مطلقًا، وقد قال موَدّعًا وموْدِعًا: يريدونني أسيرًا يريدونني.. وأنا أقول لهم شهيدًا، شهيدًا، شهيدًا!

لقد استمرّ الراحل أبو عمار إلى آخر لحظة في حياته يرادوه حلم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف والعودة إلى الديار «إن غدًا لناظره قريب)؛ لما يجده من قوة بأسٍ في الشعب الفلسطيني «إنّ فيها قومًا جبارين».

أجل، لقد كان الشعب الفلسطيني هو رهانه الأخير، فكانت انتفاضة الأقصى التي سجّل له التاريخ أنّه أطلق لها العنان، وأمدها بالمال والعتاد والرجال؛ لذلك كانت القرار ممن أعجب بالفتى بإنهاء واغتيال الختيار أبي عمار.

(5)

ويبقى السؤال، وإن كانت كل الظروف وجميعها تدل على القاتل الحقيقي، ألا هو «الاحتلال الصهيوني»، غير أنّ أجراء القتل وأدوات الجريمة لازالوا هم الغرض من السؤال: من قتل أبا عمار؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

وطن
عرض التعليقات
تحميل المزيد