كان كتاب اليهود المقدس المعروف باسم العهد القديم المرجع الوحيد لتاريخ الشرق الأوسط حتى بداية القرن التاسع. غير أنّه مع التطّور المعرفي في مجال الحفريات والاكتشافات الأثرية في هاته المنطقة، ومع التمكّن من فكّ الطلاسم والألغاز كالكتابات المصرية الفرعونية (الهيروغليفية، الهيراطيقية، الديموطيقية)، والكتابات المسمارية في العراق وما جاورها (البابلية، والآشورية، والكلدانية، والفارسية، والأخمينية)، وتحليل نصوص فينيقية في لبنان، وقرطاجية في تونس وآرامية في سوريا، وفهم دلالات النقوش الحجرية في شبة الجزيرة العربية، أعاد الباحثون نظرتهم إلى الروايات الإسرائيلية، والتي كانت في وقت مضى من المسلّمات التي لا يمكن مناقشتها على مدى أجيال. كما ازداد تمحيص التراث العربي الإسلامي من خلال مؤلّفات العلماء والأئمة وتفاسيرهم للتاريخ من خلال القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.

من هم اليهود؟

الحديث عن تاريخ اليهود يقودنا مباشرة إلى التطرق لبني إسرائيل، وقد تكّونت زُمرة بني إسرائيل كمثل باقي القبائل والعشائر، ففي بادئ الأمر تألفت من أُسرة واحدة ذات جدّ واحد، وهو النبّي يعقوب من ذُريّة النبي إبراهيم الخليل عليه السلام.

وكجماعة من الرُعاة الرُحّل على مشارف والتخوم الإستبسية لجنوب العراق التابعة للدولة الكلدانية عاش إبراهيم مع قومه في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، ثم ارتحلوا قاصدين أرض الكنعانيين (فلسطين) طلبًا للرزق، وتُعتبر الهجرة إلى فلسطين أُولى هجرات القبائل اليهوديّة، لكنّها لم تكن الأخيرة فقد توالت الهجرات فيما بعد، أنجب النبّي إبراهيم عليه السلام من زوجته سارة النبي إسحاق، والّذي أنجب النّبي يعقوب، ومن أبناء يعقوب الاثني عشر تأصّل الأسباط، أو القبائل الاثنتا عشر الشهيرة.

الجدير بالذكر أنّه هناك ثلاث تسميات مترادفات لليهود، فالأولى إسرائيل نسبة للنّبي يعقوب أي الاسم البديل له، أما الثانية العبرانيون وهي مشتقة من هجرتهم من كلدان إلى كنعان، حيث عبروا نهر الفرات أو نهر الأردن، كما يقابل هاته التسمية عند المصريين القدامى والبابليين البدو أو اللصوص أو المرتزقة كما وصفهم أعداؤهم في كنعان إشارة إلى طبيعتهم كرُعاة متخلّفين حضاريًا بالنسبة إليهم، إذ لم يسيطر العبرانيون سوى على التلال والأراضي الفقيرة، أمّا السهول الغنيّة فقد ظلّت بحوزة الكنعانيين الأصليين، وقد شهدت تلك الفترة مناوشات وحروب بينهما. أمّا التسمية الثالثة اليهوديّة فتدل على أبناء يهوذا أحد أبناء النّبي يعقوب.

تعدّدت الآراء حول السكان الأصليين لفلسطين فمنهم من أرجح بأنّ الكنعانيين هم أوّل من سكن فلسطين، والكنعانيون في التوراة هم أبناء كنعان بن حام بن النّبي نوح عليه السلام، كما تشير دراسات أخرى بأنّ الكنعانيين قبيلة سامية وفدت من الجزيرة العربية منذ 2500 ق.م، وفي رواية أخرى 3500 ق.م، وأقاموا حضارة بفلسطين، وأنّ بعضًا منهم رحل إلى الساحل اللبناني، وقد عرفوا بالفينيقيين، وإلى جانب الكنعانيين في فلسطين، فقد أقامت قبائل سامية صغرى على تخوم كنعان كالأدوميين، والعمونيين، والعموريين، والآراميين،

وفي منتصف القرن السابع عشر قبل الميلاد أي بعد 150 سنة من هجرة سيّدنا إبراهيم عليه السلام، دفع القحط نبينا يعقوب وبنيه إلى دخول مصر، وبعد وفاة النبي يوسف عليه السلام، تغيرت الأوضاع في مصر وتغيّر سلوك آل يوسف ومواقف المصريين منهم، فنتيجة لانطواء بني إسرائيل على أنفسهم، ورفضهم الاندماج في المجتمع المصري، بدأت الانتقادات تُلاحقهم، وتحوّل الانتقاد إلى حقد، ثم إلى قمع واضطهاد، وبعد مرور قرابة 350 سنة خرج بهم منها النّبي موسى عليه السلام، وذلك حوالي القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وذلك هربًا من اضطهاد فرعون مصر آنذاك رمسيس الثاني، وكان الهدف العودة إلى كنعان الأرض المقدسة، غير أنّ خوف اليهود من مُحاربة الكنعانيين أدّى بهم إلى المعصية فعوقبوا بالتيه في صحراء سيناء لمدة 40 سنة.

وبعد وفاة النّبي موسى عليه السلام توجّه بنو إسرائيل إلى نهر الأردن، حيث انتزعوا بعضًا من أرض كنعان في الداخل، فاحتلّوا بذلك جزءًا من فلسطين، لكن دون العاصمة يبوس (القدس) والساحل الفلسطيني، وكان الملك شاؤول أوّل ملك لهم، لكن سرعان ما اغتاله الفلسطينيون سنة 1000 ق.م، فاختارت قبائل يهوذا النبي داود عليه السلام ملكًا عليهم ( 1015 ق.م – 975 ق.م) فوحّد الأسباط وهزم الفلسطنيين، فتوّسعت بذلك مملكة إسرائيل إلى غاية بير السبع في الجنوب، وتحوّلت إسم يبوس العاصمة إلى أورشليم، وخلفه بعد وفاته النّبي سليمان عليه السلام في الحكم، والّذي كان من أعظم قادة بني إسرائيل، فإضافة إلى توحيده ولم شمل القبائل، امتدت مملكة إسرائيل في عهده من دمشق إلى مصر، وبعد وفاته عليه السلام، أنهكت الفتن بني إسرائيل فانقسمت مملكتهم إلى مملكتين: مملكة يهوذا في الجنوب، تضم قبيلتي يهوذا وبنيامين وعاصمتها القدس (أورشليم)، ومملكة إسرائيل شمالًا (مملكة الأسباط العشر) والتي أقامها يربعام وتضم القبائل العشرة المتبقيّة، واتخاذ مدينة السامرة عاصمة لها، بعدما كانت مدينة نابلس عاصمة المملكة في بادئ الأمر.

فأصبحت الدولتان متعاديتين متحاربتين، وقعتا في سياسة المضاربة بين مصر والعراق أو الخضوع لهما، حيث تعرّضت المملكة الجنوبية لغارات مصرية. الأولى في عهد الملك شيشنق والثانية على يد نخاو. غير أنّه في سنة 721 ق.م تعرّضت مملكة سامرة إلى التدمير على يد ملك نينوى الأشوري سرجون، وقد ساهم سقوط نينوى في محافظة مملكة أورشليم على بقائها نحو قرن ونصف قرن. لكن التحالفات التي أقامها ملوكها آنذاك مع فرعون مصر، أثارت استياء وغضب ملك بابل نبوخذنصر، فدّمر أورشليم وهيكلها سنة 586 ق.م، وأسر أهلها. وبذلك زالت دولة اليهود من الوجود بعد أربعة قرون من الحكم في فلسطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد