بدأ عهد الشتات اليهودي بعد سقوط السامرة عاصمة المملكة الشمالية لبني إسرائيل، على يد سرجون الأشوري في القرن الثامن ق.م، الذّي رحّل الكثير من إسرائيلي السامرة والتي كانت تضّم القبائل العشرة إلى بابل وأسكن مكانهم بعض أسراه من البلاد الأخرى ، لكن يُعتبر سقوط القدس عاصمة مملكة ياهوذا (المملكة الجنوبية لنبي إسرائيل) في القرن السادس ق.م على يد الملك نبوخذنصر ضربة موجعة قضت على حلم الإسرائيليين في بناء مملكتهم، إذ تمّ نقل أغلبية اليهود كأسرى إلى بابل وهو ما يعرف تاريخيًا بالأسر البابلي، حيث تُشير بعض الروايات إلى أنّه بلغ عدد الأسرى قرابة ربع مليون من ساكنة اليهود آنذاك، أما البقيّة فقد فروا إلى مصر واليمن والحبشة والجزيرة العربية وشمال إفريقيا.

بعد نصف قرن من الشتات البابلي، سمح ملك الفرس كورش بعودة اليهود إلى القدس، وذلك بعد فتحه بابل 538 ق.م واستحواذه على ممتلكات البابليين في فلسطين، فأعاد العبرانيون بناء المدينة و الهيكل (515-520 ق.م)، وتؤّكد بعض المصادر أنّ عددًا ضئيلًا من اليهود عادوا إلى فلسطين والذِّين قدِّر عددهم آنذاك بنحو 50 ألفا، لكنّهم لم يجدوا ترحيبًا لا من أسرى سرجون الذّين استوطنوا أراضيهم ولا من اليهود المقيمين، أمّا البقيّة التي لم ترغب في العودة فقد كوَّنت مستعمرات في العراق، وقد امتّد انتشارها شمالاً إلى كردستان، وقد شكلّ يهود العراق نواة الشتات الشرقي آنذاك بتفرقهم إلى بلاد الفرس( هيرات في أفغانستان، بخارى و سمرقند في تركمستان) وبلاد القوقاز في الهند والصين، إضافة إلى ذلك فقد تركز اليهود أيضًا في كل من  البلقان وسواحل البحر الأسود الشمالية.

أما فيما يخص هجرة اليهود إلى الشمال الإفريقي، لم يتفّق المؤرخون حول البدايات الأولى، فشح المصادر الأثرية والمكتوبة أدّى إلى تعدّد الآراء و الروايات والأساطير، فقد كانت القصص مبنية على فرضيات أسسّت على أحداث كبرى حدثت خلال حقب زمنية مختلفة، و قد أرجع بعض المؤّرخين الوجود اليهودي في الشمال الإفريقي خاصّة في المدن الساحلية إلى الفينيقين، بصفتهم أوّل من مارسوا التجارة البحرية في حوض البحر المتوسط أيّ حوالي ألف سنة قبل الميلاد، وهذا للعلاقة الطيبّة التي كانت تجمع بين  آهالي مدينة صور الفينيقية والعبرانيين، أيّ خلال فترة حكم النبي سليمان عليه السلام وملك صور حيرام الفينيقي، وتجلّت هاته العلاقة في التبادلات التجارية بينهما، فقد تمكّن الفينيقيون من السيطرة على تجارة البحر المتوّسط وشاركوهم في ذلك العبرانيين، وبعد وفاة النبي كانت سليمان عليه السلام، توقّفت التجارة البحرية، لكون العبرانيين لم يملكوا تلك المهارة والخبرة الفنية في بناء السفن وارتياد البحر، فذلك كان من اختصاص الصوريين.

وقد اعتبرت مصر مركزاً مهمَّا لليهود، فقد كانت البوّابة إلى شمال إفريقيا، فبعد هزيمة الفرس على يد الإسكندر الأكبر (ملك مقدونيا و مؤّسس الإمبراطورية اليونانية) في كل من معركة جرانيكوس (334 ق.م) ومعركة إيسوس في سوريا (333 ق.م) واستيلائه على صور (332 ق.م)، وصل إلى فلسطين فاحتلّها ثم احتلّ مصر وأسّس بذلك الإسكندرية (332 ق.م)، وبعد موت الإسكندر دخلت مصر مرحلة جديدة من الحكم بتولّي البطالمة  الحكم(323-31) ق.م، حيث في سنة 323ق.م اعتلى بطليموس الأول الحكم في مصر، وتحوّلت الإسكندرية إلى أهمّ مدن البحر المتوسط، فبدأت الجماعات اليهودية بالظهور في الإسكندرية، وازداد تعدادها (ما يقارب مائة ألف يهودي)، حتى أصبحوا أكثر عددًا من اليهود في القدس، حيث ذكرت بعض المراجع أن ثلث سكان الإسكندرية آنذاك كانوا يهودًا، وذلك نتيجة لضّم بطليموس فلسطين إلى إمبراطورية البطالمة، واستقدام أعداد كبيرة منهم، وبفضل تعاونهم وولائهم مع الطبقة الحاكمة، تبوأّ اليهود مراكز حساسة في الهرم السياسي للدولة، حتى قيل: إنّ العناصر الحاكمة هي يونانية ويهودية.

خلال فترة (320- 30) ق.م شهدت فلسطين صراعات ونزاعات ما بين ملوك مصر والفرس واليونان والرومان. فكانت كل مرّة تسقط عاصمتها وتتأرجح ما بين إمبراطوريات البطالمة (مصر) والسلوقية (الفرس)، حتى أصبحت مقاطعة رومانية (63 ق.م) وذلك بعد توّغل الرومان في الشرق الأدنى القديم وفي آسيا الصغرى. فقد كانوا ذوي قوّة عظيمة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا في حوض البحر المتوسط، الأمر الذي أدّى إلى توالي هجرات اليهود في كلّ مرة، بل توّسعت حتى خارج حدود دولة البطالمة، إلى مدن برقة (ليبيا)، قرطاجة، المغربين الأوسط والأقصى. ولم يكن اليهود المهاجرون تجارًا فقط، بل كانوا خليطًا من جنود اعتمد عليهم الملوك لتدعيم جيوشهم في غزواتهم وأسرى حرب من رجال ونساء وحتى أطفال تم بيعهم في الأسواق، فهم لم يستوطنوا في المدن الساحلية فقط، بل تغلغلوا في المدن الداخلية واختلطوا بالبربر السكان الأصليين.

وكما أشرنا سابقًا فقد اختلف المؤرخون حول تاريخ الوجود اليهودي بالمغرب، فقد أكّد بعضهم أنّ قدومهم كان من الشّام، أي إنّ هجرة اليهود الأولى إلى شمال إفريقيا كانت في عهد الملك النبي داوود عندما تغلّب على جالوت، فهاجر بعضهم إلى مصر ومن ثم إلى ليبيا فالمغرب، حيث دلّت بعض المصادر الأثرية على ذلك (أحجار في كل من طنجة وفاس، وضعت من قبل يواب بن سوريا قائد جيش الملك النبي داوود عليه السلام، أثناء دخوله المغرب متعقبًا نخبة من العائلات الفلسطينية)، كما توجد مدينة باسم آيت داوود، يرجع المؤّرخ مارمول تأسيسها إلى يهودي من قبيلة ياهودا، عندما كان الدّين اليهودي منتشرًا في بعض المناطق الإفريقية، ويعزز هذا الطرح العلّامة والمؤرخ ابن خلدون عندما ذكر في كتابه العبر «إنّ الدّين اليهودي أخذه البربر عن بني إسرائيل، وانتشر بين عدد من القبائل مثل قبيلة نفوسة من بربر إفريقية، وقندلاوة وبهلولة وغيانة وبنو فازان من بربر المغرب الأقصى»، كما يؤّكد المؤرّخ حاييم الزعفراني في كتابه (ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب) أنّ اليهود أوّل عرق غير بربري وطأ أقدامه أرض المغرب منذ أزمنة غابرة. لكنّه لم يفصل في تاريخ دخولهم، لكنّنا يمكننا القول بأنّ الهجرات الأولى والمتتالية لليهود إلى المغرب فقد كانت نتاج للسبي البابلي والحروب والتجارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد