كان من قدرنا أن نعيش هذه القصة، التي بدأت فصولها مع الأيام الأولى، لاندلاع ثورة يناير، و أن تتلخص أهم محطات ثورتنا في فصولها، و لا يمكن روايتها كاملة بدون هذه الأحداث:

 

حصار الثورة في ميدان التحرير

ظل نظام مبارك، طوال سنوات حكمه المديد، يلّوح للغرب و الشرق “بفزاعة” الجماعة، و أن البديل لحكمه هو نظام إسلامي متشدد. وهي نفس الفزاعة التي استعملها اللواء عمر سليمان، لوصف مظاهرات 25 يناير؛ عندما صرح لقناة السي إن إن الأمريكية (2 فبراير 2011)؛ بأن “الإخوان المسلين و التيار الإسلامي” يقفون وراء هذه المظاهرات.

كانت الجماعة على يقين، بأن أي حراك شعبي يمكن أن “يحاصر” بالحديد والنار، إذا ما تم إلصاقه بالجماعة؛ وهو ما يعني وأد أية ثورة مصرية في مهدها. ولذلك؛ اتخذت الجماعة عدة خطوات نوعية، كانت كفيله بإفشال هذه الخطة:

  • رفضت الجماعة الإعلان رسميا عن مشاركتها في تظاهرات يوم 25 يناير، مما سمح لشرارة الثورة بالإنطلاق.
  • تحاشت قيادات الجماعة الظهور في ميدان التحرير، أو إلقاء البيانات، أو الخطب.
  • حظرت الجماعة رفع أي شعار خاص بها.
  • استغل الإخوان قدراتهم التنظيمية للدفاع عن الميدان في موقعة الجمل، دون الإشارة إلى ذلك في حينه.

لم تمنع تلك الإجراءات الجماعة من أن تشارك بكامل قوتها البشرية، والتنظيمية، في الحشد، على كافة المستويات، وفي كل أنحاء الجمهورية.

 

تحرك سياسي لفك الحصار

كانت موافقة الرموز السياسية في الجماعة على المشاركة في الحوار الذي دعى له عمر سليمان، ذات دلاله قوية في الخارج، حيث أظهرت الجماعة أنها لا تتبنى موقفا صفريا من النظام، وأنها على إستعداد للحوار والتفاهم معه. وبلغة السياسة، فقد قالت الجماعة للنظام بوضوح، أمام العالم: إن مشكلتك مع شعبك في ميدان التحرير، وليست معنا نحن، فنحن مستعدون للحوار.

في نفس الوقت، كان خطاب الميدان (بما فيه من إخوان و غيرهم)، هو رفض الحوار مع النظام، والإصرار على رحيل مبارك. وقد فوتت هذه الخطوة على النظام، خيار اللجوء إلى القوة لقمع المظاهرات.

أما الخطوة الثانية التي مهدت للقبول بمظاهرات يناير كثورة شعبية، هي إعلان الجماعة رسميا بأنها لن تقدم مرشحا لرئاسة الجمهورية. فقد كان هذا الإعلان بمثابة تطمين للغرب، بأن البديل لنظام مبارك لن يكون نظاما إسلاميا، ولا مبرر لاستمرار نظام مبارك، أو الدفاع عنه. (هل كان مستقبل ثورة يناير سيختلف، لو التزمت الجماعة بعدم الدخول في الرئاسة؟)

 

خطة حصار الجماعة بالثورة  

بعد أن نجت الثورة، دخل الصراع مرحلة معقده، زاوجت فيها الدولة العميقة بين “تقديس” الثورة، و”شيطنة” الجماعة، على محاور منها:

  • الجماعة لم تشارك في الثورة من أول يوم، و بالتالي لا يجب لها حصد أي من مكاسب الثورة
  • الجماعة تسرق الثورة من أصحابها الحقيقيين.
  • عملت الأذرع الإعلامية على تضخيم “دور الشباب” في الثورة؛ ليس حبا في الثورة أو الشباب، لكن بهدف تقزيم دور الجماعة.
  • تمرير إشاعة “أخونة الدولة” بهدف غل يد الرئيس مرسي عن إحداث أي تغيير حقيقي في بنية الدولة.

ولا يمكن هنا التقليل من سياسات الجماعة الخاطئة، التي لعبت دورا كبيرا في عزلها، عن باقي فصائل الثورة، مثل تحالفها مع حزب النور المشبوه، والذي برغم أنه لم يستمر طويلا، إلا أنه أفقدها مرونة سياسية كانت مطلوبة، وزاد من الفجوة بينها وبين فصائل الثورة الأخرى.

 

الجماعة تفشل في فك الحصار الثاني

أعطت النجاحات والمكاسب، التي حققتها الجماعة، في الفترة الأولى من ثورة يناير، مبررا لقياداتها التاريخية، للاستمرار في الإدراة، بنفس الشخوص، والأنماط، التي سادت قبل الثورة. وقد تم استغلال النجاح السريع، الذي تحقق للجماعة، كدليل على حكمة قيادتها القديمة، وقابليتها للقيادة، في زمن غير زمانها. وتجاهلت أن جانبا كبيرا من هذه المكاسب، ناتج فقط عن فشل الدولة العميقة وترهلها.

وعلى عكس ما كان يدور في الجماعة تماما، فقد كان فشل القيادات القديمة للدولة العميقة، مبررا لقيادتها الوسطى للتقدم، وأخذ زمام المباردة. واستطاعت القيادات الجديدة للدولة العميقة مد الجسور، وبناء التحالفات في الداخل و الخارج. بينما كانت الجماعة تخسر الحلفاء، وتنسحب من مساحات شعبية مهمة، تحت الحصار الإعلامي والسياسي المفروض عليها. ولم يتم الانقلاب، إلا بعد أن خسرت الجماعة كل حلفائها من غير الإسلامين تقريبا. ولذلك كان من السهل على الدولة ارتكاب المجازر البشعة، في رابعة و النهضة، تحت سمع العالم و بصره.

توالت بعد ذلك مراحل الحصار؛ والذي يختلف عن كل المراحل السابقة، بأنه حصار أمني وعسكري غير مسبوق، يستهدف إبادة الجماعة تماما من الخارطه السياسية.

 

الثورة الإرهابية والحصار الثالث

منحت ثورة يناير للمصرين الحق في التظاهر السلمي. وقد تم استغلال هذا الحق كسلم للوصول إلى السلطة في مظاهرات 30 يونيو، ولكنه الآن أصبح مجرما (يعني: خد السلم معاه فوق). وقد بدأ الأمر بتوصيف كل الرافضين للانقلاب على اختلاف توجهاتهم، بأنهم منتمون للإخوان. ثم بعد ذلك؛ تم إعلان الإخوان جماعة إرهابية. لتكون المحصلة أن كل رافض للانقلاب، فهو إخواني إرهابي.

و لم تكتف قوى الثورة المضادة ( في مصر والخليج) بإعلان كل من يعارض نظام 3 يوليو إرهابيا، بل دفعت الأموال “لسحب اعترف” دول العالم بثورة يناير. وقد سربت الصحافة البريطانية أن دولة الإمارات، قد مارست ضغوطا اقتصادية على الحكومة البريطانية،  لتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية في لندن.

وإن كان التقرير البريطاني لم يصف الجماعة بأنها إرهابية، إلا أنه لوح للجماعة بكارت الإرهاب. وهذا يفتح الباب للتساؤل: هل قبل الغرب برواية نظام 3 يوليو للأحداث في مصر؟ وهل يتم الآن تخيير الإخوان بين “الثورة” أو “الجماعة”؟ فإما أن تختار الثورة؛ وتدخل تحت قائمة الإرهاب العالمي؛ أو تختار “الجماعة” وتعودة إلى حدود 25 يناير 2011؟  و أيا ما كان الأمر، فماذا سيختار الشعب المصري في قابل الأيام؟

 

هل من الممكن فك الارتباط بين الجماعة والثورة

ليس في هذا السؤال تجن على “دور الجماعة” المحوري في الثورة، كما قد يظن البعض. فربما دفعت الجماعة ما يكفي من فاتورة الثورة، من الأرواح و الأموال. و لعله قد آن الأوان أن ترد الأمر إلى الشعب المصري، صاحب الحق الأصيل في الثورة، وهو من سيجني ثمارها. ولعله من صالح الثورة، والجماعة، والشعب، والأمة كلها، فك هذا الارتباط، وكسر هذه المعادلة التي يلعب بها النظام، والقوى المعادية للثورة. وربما يتطلب الأمر خطوة نوعية وشجاعة تنقل “ملف الثورة” رسميا وعمليا، من يد “تنظيم الجماعة” إلى يد “تنظيم ثوري” جديد،  من فصائل مختلفه. ولعل الله ييسر لي – بتوفيقه – أن أبسط هذا الطرح في مقال قادم بإذنه تعالى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد