عمر علي محمد
عمر علي محمد

تعتبر كرة القدم الرياضة الأولى في العالم من حيث المتابعة والاهتمام، مقارنة مع الرياضات الأخرى، وهي  أكثر من مجرد لعبة، فكما يمكنها جمع الآلاف تحت شعار نادٍ واحد، يمكنها  أيضًا تفريق الملايين تحت شعارين مختلفين.

كرة القدم عند العرب هي غيرها عند الغرب، والفرق شاسع والبون واسع، من جميع النواحي والمقاييس  (طريقة لعب، ملاعب، جمهور، حكام… إلخ).

السبب الذي دعاني لكتابة هذه الكلمات  -ربما تفطن إليه بعض  القراء- هو ما حدث في البطولة العربية في مباراة بين ناديين عربيين في بلد عربي تحت أنظار جمهور عربي وبتحكيم عربي، فالشاهد في هذه المباراة التي جمعت نادي اتحاد العاصمة الجزائري بمنافسه نادي القوة الجوية العراقي في إياب دور الـ32 من كأس العرب للأندية الأبطال، وبالضبط ما حدث في الدقيقة 70 من عمر المباراة، حيث كان الفريق الجزائري متقدمًا في النتيجة بهدفين دون مقابل، ففوجئ جميع متابعي المباراة في الملعب وخلف الشاشات، بانسحاب عناصر نادي القوة الجوية العراقي من المباراة، بطلب من مدير الكرة بالنادي، الأمر الذي طرح الكثير من التساؤلات في وسط النادي المنسحب ومنافسه ومتابعي المباراة.

بعد عدة دقائق من توقف اللعب وانسحاب الضيف، تبين أن سبب طلب مدير الكرة للاعبيه بالانسحاب، هو على حد قوله تطاول جمهور  اتحاد العاصمة على قوانين الفيفا باستعمال الألعاب النارية وعلى الفريق الضيف  بهتافات سياسية استفزازية بنوايا طائفية، لعل كل من تابع المباراة أو أعاد مشاهدة تلك الحادثة وما قبلها من دقائق يجد أن الجمهور كان يتغنى بروح القائد صدام حسين الذي أعدم سنة 2006 من جهة ومن جهة أخرى تضامنه مع القضية الفلسطينية، وهذه عادة تجدها عند أغلب -إن لم نقل جميع- جماهير الأندية الجزائرية في جميع مبارياتهم.

الغريب في هذه الحادثة هو  أن الجماهير الجزائرية كانت تعتقد أن الفريق العراقي ولاعبيه يمجدون الرئيس المعدوم صدام حسين، ويعتبرونه قدوة لهم وبمثابة الزعيم العربي الرهيب، فكانت نوايا هتافاتهم إعلانًا عن تضامنهم مع الراحل وشعبه حتى بعد مرور أكثر من عقد على إعدامه، لكن الجمهور الجزائري صدم بردة فعل النادي العراقي وغيظه من الحادثة وعدم تحمله سماع تمجيد الجمهور للصدام حسين بـ: «الله أكبر صدام حسين» من جانب، ولفلسطين بـ: «فلسطين الشهداء» من جانب آخر.

هذه الحادثة نجم عنها أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين، مما أدى إلى استدعاء السفير الجزائري ببغداد من طرف الحكومة العراقية لتقديم توضيحات عن الذي جرى في الملعب والمنصة الشرفية، هذه الحادثة أيضًا لم تمر مرور الكرام على رواد مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، مخلفة وراءها حربًا إعلامية بين أبناء البلدين على اختلاف قناعاتهم السياسية الطائفية.

ذكرنا في البداية أن هذا الجلد المنفوخ بإمكانه جمع الآلاف كعائلة واحدة، كما بإمكانه أيضًا تفريق بلدين بحجم الجزائر والعراق، ومدخلهما في حرب ضروس لا يحمد عقباها،فهل بإمكان هذا الجلد المنفوخ أيضًا حذف العلاقات الثنائية بين البلدين، هل بإمكانه أن يمحو تاريخًا مشتركًا بينهما، هل يمكن أن يحذف من التاريخ دور الجزائر في صلح العراق مع إيران وفض الحرب بينهما في حرب الخليج الأولى وهذا بفضل رئيسها الراحل هواري بومدين، وهل يمكن لهذا الجلد المنفوخ أيضًا أن يطمس رفض الجزائر بممثلها الشاذلي بن جديد حين رفض طلب الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش للجزائر بإرسال قوات عسكرية إلى السعودية حيث كانت ترابط القوات العربية استعدادًا لمواجهة الجيش العراقي تحت راية الولايات المتحدة الامريكية في الوقت الذي قبلت فيه قوات عربية عديدة بالمهمة القذرة.

في الختام يتوجب علينا طرح هذا السؤال: إلى  متى سيستمر العرب في أخذ الحد المسموم من سلاح الغرب، متغافلا عن البلسم والترياق؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك